الأخبار القبطية - بالكلمة ننتصر

هل تغفرين لنا يا مصرُ؟

فاطمة ناعوت - 5 أغسطس 2015

قناة السويس الجديدة، تصافحُ وجه العالم بعد غدٍ 6 أغسطس 2015. يومان وتشرقُ أولى ثمار العهد الجديد الذي غزلنا خيوطَه خيطًا خيطًا بإصرار قائدنا عبد الفتاح السيسي وبدم شهدائنا ودمع ثكلاوانا وخفق قلوب جنودنا ونزف أيامنا وسنواتنا الماضية. ها هي ذي، قناتنا تحت أشعة الشمس، تتلألأ صفحتُها زرقاءَ صافيةً فترسم في خرائط العالم مجاري ملاحية جديدة تعد الحراك التجاري بغدٍ أيسر وأكثر رغدًا. بعد أربع سنوات من السيولة السياسية والاقتصادية نزفت فيها مصرُ آخرَ نُسغها، تبزغُ اليومَ خيوطُ فجر جديد، بمشروع هائل قُدّر له أن يتم في أربعة أعوام، فإذا بسواعد أشدّائنا تنجزه في أقل من عام، في معجزة هندسية تؤكد نسبَنا لأعرق مهندسي العالم الأفذاذ، أجدادنا الفراعين الذين أذهلوا البشرية بطفرتهم المعمارية الفلكية المدهشة.

هذه قناة السويس تقدم للعالم شهادة اعتماد للمهندس المصري والعامل المصري ورجال الأمن المصري بأن ثلاثتهم من أكفأ وأمهر وأجسر عقول وسواعد البشر؛ حينما يقفون على حُلم واحد ويجتمعون حول مشروع قومي واحد، يعرفون أنه سيكون سببًا في دعم مصر كمركز نقل لوچيستيّ دولي، يسهّل تدفق حركة التجارة العالمية كمجرى عبور أسرع وأوسع للسفن والحاويات التجارية العملاقة.

هذه هي هديتُنا لكِ، يا مصرُ الجميلة، لتغفري لنا ما صنعناه بكِ على مدى العقود الماضية. أهملنا بناءك وترميم صدوعك، وتكاسلنا عن أداء مهامنا على النحو الذي يليق باسمكِ واسمنا، وصمتنا عن تأخرك عن ركب دول العالم، وتخاذلنا عن إنقاذك ونحن نراك بعيوننا تذبُلين وتضمُر هامتُك وينحُل خِصرًك ويتضاءل خيرُك. لكِ العُتبى حتى ترضي يا حبيبتي يا مصرُ.

نعلمُ أن هديتنا هذه جاءت متأخرة. كان يجب أن تُقدّم منذ نصف قرن، وقت كنتِ أكثر بهاءً وتقدمًا من دول صغيرة، قفزت كالنمور من حولك نحو الحضارة، وتركتكِ في عتمة الظلام والفساد والتأخر. وصلت تلك النمور منذ سنين إلى مصاف الدول الصناعية الكبرى، حيث العالم الأول، وتركتكِ في ذيل صفوف دول العالم الثالث مما يُطلق عليها تهذّبًا: الدول النامية. وأنتِ مَن أنتِ! أنت من علّمتِ العالمَ الحضارةَ وحملتِ مشعلَ التنوير لهذا الكوكب المظلم قبل آلاف السنين وقت كان يرفلُ في غبش الحضارات. لا بأس يا مصرُ. وقتها لم يكن هناك من بين مَن حكموك ذلك الفارسُ الذي أحبّك بصدق وتجرّد. كان لكلٍّ أحلامُه وتطلعاته التي جاوزت حبَّه لكِ، فنسي أن يمنحك ما تستحقين من اهتمام وجهد وعمل.

إنجازُنا الهائل هذا يؤكد للعالم حقيقة جليّة. أن في مصرَ يدًا تقف على الحدود تذود عن أرضها غَيلة الغُزاة، ويدًا في الداخل تدفع عن شعبها دنسَ الإرهابيين المجرمين الذين يرومون تدمير مصر وشعبها الذي رفض أن تحكمه عصابةٌ من الجواسيس اللصوص، ويدًا تبني وتُشيّد وتغزل لمصر غدًا مشرقًا يمحو غيمة الظلام التي تكاثفت في سمائها منذ سنوات.

كانت زيارتي الأولى لأرض قناة السويس في بدايات حفرها يوم 11 أغسطس 2014، وكانت زيارتي الثانية يوم 6 سبتمبر من العام نفسه. وذُهلتُ من الفارق بين الزيارتين. في أقل من شهر أوفى رجالُنا الأبطال ما وعدوا، قبل الموعد الذي ضربوه لأنفسهم. في زيارتي الأولى سألتُ العميدَ "حسن العراقي”: “متى نرى المياه؟" قال: "بعد شهرين. تعالي يوم 11 أكتوبر وخذي حفنة من مياه القناة الجديدة.” لكن تباشير المياه ظهرت قبل الموعد لأن "يوم الجيش بست ساعات"، إن افترضنا أن "يوم الحكومة بسنة"، كما يذهب الفولكلور المصري الساخر.

رحتُ أتأمل الشارةَ المطرّزة بكلمات "الجيش المصري" على صدر بذلة اللواء "عفت أديب"، فيملؤني الفخرُ بجيش بلادي. أولئك رجالٌ نزعوا من قاموسهم كلمات لا محلّ لها في دنيا الانضباط: “تأخير، فشل، نصف نصف....” رجالٌ اعتمدوا مقولة: “Failure is NOT an Option”؛ "الإخفاق غير مطروح"، المعروفة في حقل رحلات الفضاء المكوكية.

يبتسم اللواءُ وهو يرى الانبهارَ في عيوننا، فيقول: “جيشكم لا يعرف الكسل.” هذا الجيش الباسل، مثلما يحمي ظهورنا على الجبهة، يصنع مستقبلنا ويؤمّن مستقبل أولادنا.

همستُ لنفسي يومَها: "هذي الرمالُ الصفراء المشرقة مثل نُثار الذهب، لن تكون موجودةً بعد برهة قصيرة من الزمن.” لهذا رحتُ أجمعُ بعضَها في قنينة صغيرة. ثم أختلسُ صخرتين صغيرتين من نتاج الحفر كأنما قطعٌ من خام الألماس. الآن، أدُسُّ كنزيَ في حقيبتي لأزيّن بها بيتي، وذاكرتي. حين أعود؛ سأزيحُ قطعة الصخر الصغيرة التي انتزعتُها من "سور برلين" كتذكار يشهد بوجوده قبل أن يسقط وتتوحّد الألمانيتان، وأضع محلّها صخور بلادي الغالية في مكتبة "التذكارات" القيمة التي أحفظ فيها كنوزي وأسراري وتآريخَ العالم.

منذ كثير وكثير من السنوات، ظللتُ أحلُم بأن يتوحّد المصريون على حُلمٍ. مشروعٌ قومي نصطفُّ خلفه ويكون محورَ أحاديثنا ومادةَ ترقّبنا للغد. طالما حسدتُ الستينيين على اصطفافهم حول مشروع "السد العالي" الذي لم أعشه. كان المصريون من شمال مصر إلى جنوبها يتحدثون عنه، لهذا كان ذاك الجيل مثقفًا وممتلئًا لأنه كان "مشغولا" بحلم مصري. جيلي لم يعش هذه اللحظات ولا الجيل اللاحق، لهذا تفشّت الأمراضُ المجتمعية كالطائفية والتحرش والفوضى والكسل والشكلانية، لأننا "فارغون من الحلم". الآن، أصبح لنا حلمُنا الخاص، وآن لنا أن "ننشغل" بصناعة الغد الذي أثق أنه سيكون نقيًّا من تلك الأدران التي أهلكتنا، وأهلكتْ مصر.

شكرًا للفريق مهاب مميش، ولأصغر مهندس وعامل وجندي أنجز هذه المعجزة التاريخية لمصر وللمصريين. ويا جيشَ مصرَ العظيم، عِشْ أبدَ الدهر، احمِ ظهرَ مصرَ، وشيّدْ مستقبلَها، واصنعْ لنا الأمل. ويا مصرُ الطيبة، اغفري لنا واقبلي هديتنا.

المصدر: الحوار المتمدن

إرسل الموضوع لأصدقائك على الفيس بوك و تويتر


تصفح أيضاً من أرشيف المقالات

دَرْسُ الوِحْدَةِ المَسِيحِيَّةِ
دلالة محاولة أغتيال د. علي جمعة..لماذ؟
الإصلاح فى الكنيسة الكاثوليكية
أهمية التصنيف الإماراتى للمنظمات الإرهابية
صوم أم النور..... هوذا أنا أمة الرب

شاهد أيضاً من أرشيف الفيديو

داعش هى الإخوان والإخوان يشعلون النار فى بولا
الحلقة الكاملة الأزهري والجفري وبحيري يتحاورون حول الأئمة وكتب التراث
عماد جاد: الغنوشي لا يفهم ( أ ، ب ) انتخابات ويضع تونس على أول طريق الخراب
ماذا طلب أردوغان من أوباما للتخلص من داعش !!
الأقباط والجلسات العرفية والتهجير القسري

قائمة العار للدول التي تضطهد الأقليات- أغلبها دول اسلامية وبعضها يدعم الارهاب

كوريا الشمالية
السعودية
العراق
ارتريا
افغانستان
باكستان
الصومال
السودان
إيران
ليبيا
اليمن
شمال ووسط نيجيريا
اوزباكستان
قطر
مصر
الأراضي الفلسطينية
بروناي
ماليزيا
أزربيجان
بنجلاديش
الجزائر
الكويت
اندونيسيا
تركيا
البحرين
عمان