الأخبار القبطية - بالكلمة ننتصر

الإسلام والغرب والإرهاب

عبدالخالق حسين - 18 يونيو 2015

نحن أمام مشكلة معقدة تداخلت فيها الأوراق في معرفة من وراء ما يسمى بـ(الإرهاب الإسلامي) المستشري في المنطقة على شكل جيوش جرارة؟ هل هو الإسلام بما فيه من نصوص تدعو إلى العنف وإبادة المختلف، أم هناك دول قوية وراء هذا الإرهاب ولأسباب سياسية ولخدمة مصالح الغرب وإسرائيل؟ فوراء هذا الخلط والالتباس، وبلبلة الأفكار، مفكرون كبار يتفنون في استخدام الحقائق لتمرير الباطل، وبالتالي يقودون الضحايا إلى تشخيص خاطئ لمعرفة أسباب تعرضهم للكوارث فيضيعون أوقاتهم وجهودهم في علاجات خاطئة.

في البدء، أود التوكيد أني لا أنكر لما للغرب من فضل كبير في تقدم الحضارة البشرية الحديثة، وما أنتجته هذه الحضارة من قيم إنسانية نبيلة واجتماعية تقدمية وفي مجال حقوق الإنسان والديمقراطية والعلمانية، وما تقدمه للبشرية من خدمات في جميع المجالات العلمية والطبية والتقنية والاجتماعية والإنسانية...الخ. ولكن إلى جانب هذه القدرات الفائقة في جميع المجالات، هناك سياسيون يستخدمون هذه القدرات لأغراض سياسية دنيئة حتى ولو تضاربت مع الأخلاق والقيم الإنسانية. لذلك قيل (لا أخلاق في السياسة). وهذا وفق مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) التي بشر بها مؤسس علم السياسة ماكيافيلي. والجدير بالذكر، أن هذا المبدأ تتبعه غالبية البشر في كل مكان وزمان وحتى قبل السماع به، ولكنهم في نفس الوقت يشتمون صاحبه. وفي هذا الخصوص يدافع الفيلسوف الإنكليزي برتراند رسل عن ماكيافيلي، بما معناه، أن الرجل ذكر هذا المبدأ لأنه من صلب السياسة، كما يشرح عالم الفيزياء ما في الذرة من قوة تدميرية، فهذا لا يعني أننا يجب أن نشتم عالم الذرة.

فالغرب بوجه خاص لن يتردد مطلقاً في تطبيق أخس الوسائل إذا اقتضى الأمر حتى ولو تطلب ذلك تشكيل منظمات إرهابية لتحقيق أغراضه، ويعرف كيف يظهر نفسه بلبوس الحمل الوديع والمحارب الباسل ضد هذا الإرهاب. فقد بات معروفاً دور المخابرات الأمريكية في تشكيل التنظيمات الإرهابية في أمريكا اللاتينية، والمنظمات الجهادية في أفغانستان في النصف الثاني من القرن العشرين. والآن هناك دلائل تشير إلى أن أمريكا هي وراء داعش وجبهة النصرة في سوريا والعراق، وقد جئنا على هذا الموضوع في عدة مقالات، ونعود إليه الآن في هذا المقال لأن هناك مازال البعض يشك بالأمر، لذا أقتضى تسليط المزيد من الضوء عليه لما يحتاج من إثبات.

كنت كغيري من المثقفين العلمانيين، أعتقد بشكل جازم ولحد وقت قريب، أن الإرهاب هو النتاج المباشر للإسلام لما فيه من تعاليم ونصوص تدعو إلى العنف وإلغاء الآخر المختلف، وأن الحل الوحيد هو إصلاح الإسلام. ولتحقيق الإصلاح هذا عُقدتْ المئات من المؤامرات و اللقاءات والندوات الفكرية في العالم، ونشروا عشرات الكتب، وآلاف المقالات والدراسات. وكنت من أشد المتحمسين لها، وشاركت في بعضها. والمهزلة أن السعودية راعية الإرهاب كانت ومازالت من أكثر الدول التي تصرف المال على عقد هذه المرتمرات ولكن من أجل ذر الرماد في العيون.

ولكني توصلت أخيراً إلى قناعة أنه يجب أن نعوِّد أنفسنا على التفكير خارج الصندوق، ومن زوايا عديدة، والتخلص من النمطية، فكثير من الأفكار نعتنقها لأنها سائدة عند الأغلبية ونعتقد أن لا يمكن أن تكون الأغلبية على خطأ، وهذا بحد ذاته خطأ، إذ من الخطأ أن نفسر الأشياء على ضوء المعتقدات الموروثة والأحكام المسبقة. لذا وبعد تفكير عميق لمدة غير قصيرة توصلت إلى قناعة أن إلقاء اللوم على الإسلام في كل كوارثنا لا يعطينا الجواب الشافي، فالتشخيص الخطأ يقود إلى العلاج الخاطأ، أشبه بالجراح الذي يعتقد أن كل ألم في البطن هو ناتج عن التهاب الزائدة الدودية، فيحضر المريض لعملية جراحية ويعمل فتحة صغيرة قريبة من الزائدة، ليفاجأ بأن الزائدة سليمة، وأن هذه الأعراض كانت نتيجة انفجار قرحة المعدة، أو الإثني عشري، أو نزف من حمل خارج الرحم في حالة المرأة... إلى آخر القائمة الطويلة من الحالات المرضية التي يمكن أن تسبب نفس الأعراض التي تسببها الزائدة الدودية الملتهبة.
وكما ذكرت في مقالي الموسوم (أزمة الشرق الأوسط وعلاجها)(1)، أن العلمانيين يرون أن علاج الإرهاب يكمن في الإصلاح الديني للإسلام، و الفصل بين السياسة والدين. لا شك أن هذه الإجراءات ضرورية للتطور الاجتماعي وبناء الدولة الديمقراطية ودولة المواطنة، وكلنا ندعو إليها، ولكن ما يجري في منطقتنا من إرهاب منظم على شكل جيوش جرارة مجهزة بأحدث الأسلحة والتدريب هو شيء آخر وجديد لا علاقة له بالنصوص الدينية التي تدعو إلى العنف، لأن هذه النصوص كانت موجودة لأربعة عشر قرناً من الزمن ولم يحصل مثل هذا الإرهاب المتوحش إلا بعد الثورة الإسلامية في إيران والحكم الشيوعي في أفغانستان، حيث تم توظيف الإسلام الوهابي وبالأموال السعودية لنشر التطرف والإرهاب، وهذا بات معروفاً لدا القاصي والداني.

وإذا ما جئنا إلى الإسلام، فهذه إيران الإسلامية قد أوقفت العمل بجميع النصوص التي لا تلائم العصر مثل: السن بالسن والعين بالعين... ورجم الزاني والزانية بالحجارة حتى الموت، وبتر يد السارق... إلى آخره من أحكام. ولكن مع ذلك فإيران تعتبرها أمريكا من ألد أعدائها وتعمل على تغيير نظامها لأنه إسلامي ويجب إقامة نظام علماني، بينما نرى العكس في علاقة أمريكا والغرب مع العربية السعودية التي هي سبب كل البلاء الإرهابي، فهي التي تطبق قوانين الشريعة الإسلامية في العقوبات الجنائية في قطع الرؤوس وقطع الأيدي، والرمي بالحجارة حتى الموت، وجلد كل من يتجرأ على نقد السلطة، والتجاوز على أبسط حقوق الإنسان، وتنشر التطرف الديني بالنصوص الدينية الداعية للعنف، وهي التي أسست المنظمات الإرهابية وترعاها وتدعمها بالمال والسلاح والفتوى، ولكن مع كل ذلك فالسعودية هي العزيزة المدللة والحليفة الكبرى للغرب.

ومن كل ما تقدم نستنتج أن سبب الإرهاب هو ليس الإسلام ونصوصه التي تدعو للعنف، بل أسباب سياسية بحتة لها علاقة بمصالح الغرب وإسرائيل، وتم توظيف الإسلام ونصوصه لهذا الغرض. وقد عددنا الأسباب الذي تؤكد أن الغرب هو وراء الإرهاب ولمصالحه السياسية وذكرنا عشرة أدلة في مقالنا الموسوم (لماذا يحتاج الغرب إلى عدو دائم؟)(2) ومقال آخر بعنوان (داعش ذريعة لتغيير النظام في العراق)(3)، ونضيف في هذا المقال دليلين آخرين حسب ما توفرت لدينا من معلومات جديدة:
الأول، تقرير نشرته صحيفة الغارديان اللندنية بعنوان: (انهيار محاكمة ارهابي خوفاً من إحراج المخابرات البريطانية)، جاء فيه:
((انهارت محاكمة مواطن سويدي متهم بالأنشطة الإرهابية في سورية في محكمة أولد بيلي [لندن] بعد أن اتضح أن الاستمرار في المحاكمة من شأنه أن يفضح الاستخبارات البريطانية ويحرجها، ويعرض الأمن للخطر. حيث جادل محامو المتهم أن الاستخبارات البريطانية كانت تدعم نفس الجماعات المعارضة السورية [جبهة النصرة] التي خدم فيها المتهم، وكانت [الاستخبارات البريطانية] طرفا في عملية سرية لتوفير الأسلحة ومساعدات أخرى إلى تلك الجماعات...الخ))(4 و5).

ثانياً، وهناك عامل آخر يجعل الغرب بحاجة إلى عدو دائم، وهو العامل الاقتصادي، فيعملون على نشر التوتر والحروب في منطقة الشرق الأوسط الغنية. فمبيعات الأسلحة وتدريب الجيوش في هذه منطقة هي من الصناعات الكبيرة في الغرب. كما وترتبط أسعار النفط والسلع بالحروب وبأوقات التوتر. فعندما يكون هناك توتر أو حروب بين الدول تتوفر الفرص لبيع المزيد من السلاح، وزيادة أسعار النفط، وما إلى ذلك. فالمسألة ليس مجرد حرب الأيديولوجيات، ولكنها الحروب المالية والاقتصادية. فلوبي السلاح في الغرب وخاصة في واشنطن هو من أقوى اللوبيات المدعوم من اللوبي الإسرائيلي (AIPAC). فرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يعتبر الرئيس الإيراني المعتدل، الدكتور حسن روحاني "ذئب بثوب حمل"، وأنه أخطر من سلفه محمود أحمدي نجاد. فنتنياهو لا يريد رئيس معتدل في إيران لأنه يحرمه من التوتر الدائم. ومن مصلحة إسرائيل والحكومات الخليجية إبقاء شعوب المنطقة متحاربة ومتخلفة وضعيفة لكي تبقى الأسر الحاكمة في الحكم، وتبقى إسرائيل هي الدولة العظمى في المنطقة.

المصدر: الحوار المتمدن

إرسل الموضوع لأصدقائك على الفيس بوك و تويتر


تصفح أيضاً من أرشيف المقالات

مذكرات...ديك رومي
البعض يعمل جاهدا ، والبعض ضيّعه الجدل
نهر النيل والاحتلال العربي
بناء الكنائس بحاجة لدستور منفرد ؟
دَرْسُ الوِحْدَةِ المَسِيحِيَّةِ

شاهد أيضاً من أرشيف الفيديو

فادي وربا: من تحدي الإعاقة إلى ظلم اللجوء
حكومات تدعي محاربة داعش في خطاباتها وتغض النظر عنه في ارضيها
قنوات الإخوان الارهابية سلاح أمريكا فى حروب الجيل الرابع
الكنيسة القبطية ترفع الصلوات من أجل ضحايا الطائرة
العالم مشغول بحماية حركة حماس الارهابية ويترك مسيحيين الشرق المسالمين لأبشع اضطهاد

قائمة العار للدول التي تضطهد الأقليات- أغلبها دول اسلامية وبعضها يدعم الارهاب

كوريا الشمالية
السعودية
العراق
ارتريا
افغانستان
باكستان
الصومال
السودان
إيران
ليبيا
اليمن
شمال ووسط نيجيريا
اوزباكستان
قطر
مصر
الأراضي الفلسطينية
بروناي
ماليزيا
أزربيجان
بنجلاديش
الجزائر
الكويت
اندونيسيا
تركيا
البحرين
عمان