الأخبار القبطية - بالكلمة ننتصر

وداعا دكتور وليم الميرى (26 مايو 1924-11 يونيه 2013 )

مجدى خليل - 14 يونيو 2013

كانت ختام الكلمات التى سمعتها من الدكتور وليم الميرى فى أخر مكالمة معه قبل رحيله  إلى العالم الآخر هى يا مجدى يا أبنى متنساش تكتب عنى بعد وفاتى،أنا بعتبرك أبنى وعارف كل حاجة عنى وهتنصفنى ميتا وقد ظلمت حيا. من أنا يا سيدى حتى انصفك؟ الله العظيم الرحيم العادل سوف ينصفك على أمانتك وتعبك وصدقك مع نفسك وروحك الهادئة المسالمة وعملك الشاق حتى وانت فى السنوات التى يستريح فيها البشر.أكثر من ستة عقود وانت تعمل يا سيدى فى هدوء واخلاص، بين مصر وأمريكا ، فى حقل الصحافة والكتابة والترجمة والثقافة الراقية وحقوق الأقباط ، ولم يتخلى خلال هذه الرحلة الطويلة ولا ليوم واحد عن بساطته وهدؤه ومبادئه واستقامته الفكرية وزهده فى الحياة وأيمانه بالحريات بصفة عامة وحرية الصحافة بشكل خاص،وقد دفع ثمنا فى سبيل ذلك من التهميش إلى الإضطهاد والذى كان سببا رئيسيا لمغادرته مصر عام 1969.
لقد عانيت يا سيدى من تبعات أمانة الكاتب واستقلاليته، وكم نصحتنى بأننى مثلك لم أعمل حسابا للمستقبل وأزهد فى المال من آجل الخدمة والعمل العام، ولكننى لم أستمع للأسف لنصائحك وتجربتك  سيدى ، بل أرى أن المعانأة  هى جزء أساسى من تبعات الأمانة والإستقلالية الفكرية وقول الحقيقة..والله الرحيم الحنان الذى ستر عليك حتى أخر يوم فى حياتك سوف يسترها عليى وعلى أسرتى أيضا.
ولد الدكتور وليم ينى الميرى فى 26 مايو 1924 فى قرية مير بمحافظة أسيوط، وبعد تخرجه من كلية الأمريكان بأسيوط التحق بكلية الاداب قسم الفلسفة بجامعة القاهرة عام 1943، وكان من زملاء دفعته  المتنيح قداسة البابا شنودة بقسم التاريخ، والدكتور مراد وهبة (اطال الله عمره) بقسم الفلسفة، وصديقه المقرب المرحوم الكاتب الكبير أنيس منصور، والذى أفرد للدكتور وليم الميرى صفحات فى كتابه الشهير "فى صالون العقاد كانت لنا أيام" ، وقال عنه فى هذا الكتاب " وليم الميرى انسان طيب القلب وصديق حقا".
عمل الدكتور الميرى فى القسم الخارجى بجرائد الزمان والأهرام ودار الهلال منذ بداية الخمسينات وحتى هجرته لأمريكا، كما كان له حديث من وقت لآخر على البرنامج الثانى للاذاعة المصرية. حصل على الماجستير فى الصحافة من كلية الاداب جامعة القاهرة عام 1953. وفى عام 1959 نشر أول كتبه بعنوان " التحرير الصحفى" ، وقد شاركه فى التأليف الدكتور عبد اللطيف حمزة رئيس قسم الصحافة بكلية الآداب وقتها.
عرف عن الدكتور وليم الميرى بإلاضافة إلى عمله الصحفى أنه كان أسرع مترجم فى مصر فى خمسينات القرن الماضى، وله فى هذا المجال ترجمات عديدة من " محاورات المأدبة لافلاطون"، إلى مذكرات جورج بوش الأب مع سكروكروفت مستشاره للأمن القومى، وقد انتهى الدكتور وليم الميرى من ترجمتها وهو فى أمريكا بعد شهر واحد فقط من صدورها.
فى عام 1961 حصل على الدكتوراة فى الصحافة من كلية الاداب جامعة القاهرة وكانت عن " الأخبار الخارجية فى الصحافة المصرية"، وكانت هذه الرسالة سبب مشكلته وسبب هجرته أيضا،ولهذا الموضوع قصة تستحق أن تروى. بحكم عمله فى قطاع الاخبار الخارجية كان الدكتور وليم الميرى على دراية بالقيود على الاخبار وعلى التلاعب بها وتزويرها وتوجيهها من قبل رجال يوليو 1952، ولهذا جاء بحثه الأمين للدكتوراة كاشفا لعورات حرية الصحافة فى عهد الثورة، وكاشفا للقيود المتشددة على حرية الصحافة بصفة عامة. وفى يوم مناقشة الرسالة وقبل ساعات من موعد مناقشتها، تلقى اتصالا من الجامعة بقرار تأجيل المناقشة بناء على طلب د. رشاد رشدى، احد المناقشين والذى كان قريبا من مجلس قيادة الثورة،وكان رشاد رشدى مصرا على الغاء الرسالة تماما والقضاء على جهده الذى أستمر لسنوات، ولكن بعد تدخلات من عميد الكلية ورئيس قسم الصحافة تم تأجيل مناقشة الرسالة لعدة شهور يقوم خلالها الباحث بحذف أى نقد موجه لحرية الصحافة فى عهد الثورة، وهذا ما تم بالفعل. وفى يوم المناقشة الجديد اصر د. رشاد رشدى على اعطاء الباحث صفرا بينما حصل على أعلى الدرجات من المناقشين الآخرين .. وبهذا اجيزت الرسالة وحصل على درجة الدكتوراة، ولكنه لم يعين فى الجامعة وظل منتدبا لتدريس مادة التحرير الصحفى من عام 1961إلى عام 1969.
لعله من الأمور التى أثرت فى تكوين الدكتور وليم الميرى الثقافى والفكرى هو تتلمذه على يد المفكر الكبير عباس محمود العقاد، فكان ضيفا دائما على صالونه منذ عام 1944 إلى عام هجرته إلى أمريكا.
بعد هجرته إلى أمريكا ظل دكتور وليم الميرى وفيا ومخلصا للعمل الصحفى، حيث قام بتأسيس أول صحيفة مصرية على النمط الصحفى الحديث فى أمريكا عام 1972، وهى صحيفة " مصر" والتى أستمرت حتى عام 1979 حيث توقفت لأسباب مالية.ولم يضن بجهده ومشورته لمعظم الصحف المهجرية التى صدرت بعد ذلك. ومن المفارقات الظريفة المحببة إلى نفسه والتى كان يكررها بأستمرار إنه كان ضمن الفريق الذى اجتمع به الراحل انطون سيدهم عام 1957 اثناء التحضير لصدور جريدة وطنى،وأيضا كان ضمن الفريق الذى اجتمع به المهندس يوسف سيدهم عام 2000 اثناء التحضير لصدور وطنى الدولى.
عاش الدكتور وليم الميرى ومارس الصحافة بكافة فنونها، من جرائد الوطن إلى الجرائد المهجرية،إلى الترجمة والنشر، حتى اختتم حياته الصحفية بوظيفة المستشار الصحفى لبعثة قطر لدى الأمم المتحدة ،حيث كان يكتب للمسئولين القطريين الكلمات التى يلقونها فى الأمم المتحدة فى المناسبات الخاصة . وفى الترجمة ظل لمدة عشر سنوات مترجما خاصا لشقيق الملك السعودى الامير ترك بن عبد العزيز، حيث كان يترجم له تقريرا يوميا عن أهم ما جاء فى الصحافة الأمريكية ، طبعا هذا قبل ثورة الانترنت والفضائيات حيث اصبح الشخص قادر على قراءة النيويورك تايمز والواشنطن بوست وهو قابع فى قرى الصعيد النائية.
ينتمى الدكتور وليم الميرى كذلك إلى عائلة محبة للخدمة العامة،فشقيقه هو الواعظ الشهير الراحل مرقس ينى الميرى، وأبن شقيقه هو عالم الدراسات الأبائية المرحوم الدكتور رودلف مرقس ينى، وأبن شقيقه أيضا الناشط القبطى الراحل الدكتور رائف مرقس ينى،أحد المؤسسين الاوائل للحركة القبطية فى المهجر.
وقبل أن نتركك عزيزى القارئ مع حياة الدكتور وليم الميرى الطويلة فى العطاء والعمل العام وعالم الصحافة الوطنية والمهجرية، لا ننسى الحدث المؤلم الذى كسره وهو فى سن متقدمة من عمره ، وهو وفاة ابنه الشاب النابه،المحامى بقسم العقود بالأمم المتحدة ناهل وليم الميرى عام 2005، ولعل وقع المفاجأة عليه كان مذهلا، حيث اعتاد زيارة ابنه كل عدة ايام فى سكنه الخاص بالقرب من مبنى الأمم المتحدة، وفى احدى هذه الزيارات صدمه حارس المبنى بقوله لدينا اخبار مؤسفة لك حيث عثرنا على جثة أبنك بعد ثلاثة أيام من وفاته وهو ملقى على كرسيه فى صالون منزله حيث كان جالسا يشاهد التليفزيون.. وكانت المفاجأة صاعقة بالفعل، خاصة وأن هذا الشاب الذى هاجر وهو فى سن 12 سنة مع والده وتخرج من أفضل جامعات أمريكا، كان موهوبا إلى اقصى درجة ، فكان يكتب القصص العربية بلغة أدبية رصينة، وفى أحدى زياراته للقاهرة فؤجئ الراحل الكبير نجيب محفوظ بشاب فى صالونه هاجر إلى أمريكا وهو صغير ومع هذا قرأ أدب نجيب محفوظ بشكل مهنى رفيع، وكان يناقش أديبنا الكبير فى دقائق رواياته.
لقد أثر هذا الحادث عليه وكسره طوال السنوات التى سبقت الرحيل، وفى كثير من الاحاديث التى كانت شبه يومية بيننا كان يبكى بالدموع فى التليفون وهو فى هذه السن المتقدمة.
لقد كنت محظوظا  بجد أننى اقتربت من شخصيات كثيرة جميلة ومحترمة ومنهم الدكتور وليم الميرى،الذى تأثرت به أنسانيا واستفدت منه مهنيا. وفى نفس الوقت أحمل قدر كبير من الاحزان المدفونة فى داخلى على رحيل الأحباء، حتى أن زوجتى العزيرة ذكرتنى بأنه لا يمر أسبوع إلا وترانى باكيا على رحيل أحد الأصدقاء.
وداعا لروحك دكتور وليم الميرى  إلى دار الراحة  والخلود بعيدا عن البكاء والتنهد والمعانأة والآلم وقسوة الحياة ومرارات الماضى ، وشكرا  سيدى على مسيرتك المشرفة المخلصة للصحافة وللوطن وللقضية القبطية أيضا، وعلى عطائك الطويل، وعلى روحك الهادئة المسالمة، وعلى صبرك وجلدك وسكينتك، وعلى تشجيعك وعطفك على الكثيرين وأنا منهم.

إرسل الموضوع لأصدقائك على الفيس بوك و تويتر


تصفح أيضاً من أرشيف المقالات

"ثنائية" الجنسية وليس "ازدواجية" الجنسية!
فى نقد لاهوت التحرير (4)
فى ذكرى شهداء ماسبيرو
هم يبكى وهم يضحك : (11) البلدان الأكثر إحتراماً للقيم الإسلامية
المجاري لفض اعتصام الاخوان

شاهد أيضاً من أرشيف الفيديو

عمرو أديب يهاجم جماعة الإخوان القبيحة بعد الإعتداء على يوسف الحسيني ووفد الإعلاميين
‏اسلام بحيري‬ يهاجم بيان الأزهر
بلاغ ضد والد أبو تريكة لعدم قبول مسيحيين في مركز التدريب
النائبة نادية هنري تقدمت ببيان عاجل لقضية القمح المسرطن
النمسا تعيد ترحيل مئات اللاجئين إلى سلوفينيا بعد إكتشاف تزوير جنسياتهم

قائمة العار للدول التي تضطهد الأقليات- أغلبها دول اسلامية وبعضها يدعم الارهاب

كوريا الشمالية
السعودية
العراق
ارتريا
افغانستان
باكستان
الصومال
السودان
إيران
ليبيا
اليمن
شمال ووسط نيجيريا
اوزباكستان
قطر
مصر
الأراضي الفلسطينية
بروناي
ماليزيا
أزربيجان
بنجلاديش
الجزائر
الكويت
اندونيسيا
تركيا
البحرين
عمان