الأخبار القبطية - بالكلمة ننتصر

الاستبداد الذي يتوحش

كمال غبريال - 10 فبراير 2014

الأغلب أن يأخذنا عنوان المقال تلقائياً، إلى ما يتخوف منه البعض الآن في مصر، من حكم عسكري يرث ما سميناه يوماً "ثورة اللوتس". فالتصور الجاهز والمستقر، هي أن حاكم مصر هو رئيس الجمهورية والمجموعة التي حوله، من وزراء ورؤساء مؤسسات. لكن من يتأمل الأوضاع في مصر ملياً، يمكن أن يكتشف تفصيلات تحدث انقلاباً في فهمنا لحقيقة الحال في مصر، رغم بقاء الانطباع الأول صحيحاً بصورة عامة.

نعم الخطوط العريضة لتوجهات أي دولة، هي بالدرجة الأولى مسئولية الحاكم الفرد، خاصة في دولة أبوية الثقافة والميراث السياسي مثل مصر، لكن ليس معنى هذا بأي حال أن أي رئيس، حتى لو ارتدى عباءة ديكتاتور، يكون مطلق الحرية في اتخاذ ما يشاء من قرارات. فهو على صعيد السياسة الخارجية محكوم بالظروف والقوى الإقليمية والعالمية، كما هو محكوم أيضاً بإمكانيات بلاده، سواء من ناحية ما تطيق إمكانياتها، أو ما يرغب فيه شعبه. . فليس من السهل على أي حاكم مهما بلغ جبروته، أن يتحرك في اتجاه مضاد لما يريده من يحكمهم.
لنترك مؤقتاً شخص الحاكم، والطبقة الأولى من المحيطين به. هؤلاء الذي يسهل تغييرهم في أي وقت، سواء تم ذلك عبر الآليات المؤسسية والديموقراطية، أو تم وفق قفزات سلمية أو ثورية. المعضلة التي نستهدف الإشارة إليها في هذه العجالة، هي سلطان الفاعلين في الحياة المصرية، في المستويات ما دون هذا المستوى الأعلى. ربما في الحالة المصرية بالتحديد، نجد أن المستوى الحاكم الأول، ويشمل الرئيس الذي قد يكون الطاغية وبطانته، يتحرك في هامش محدود من الحرية، فممارسة الحكم ليست كما قد يبدو للنظرة البسيطة، مجرد إصدار قرارات واجبة أو تلقائية التنفيذ، لمجرد أنها صادرة عن الممسك بزمام الأمور، والذي لا يجرؤ أحد على أن يقول في مواجهته كلمة "لا". . الحكم الفعلي ذو شقين: القرار وتنفيذه، وإذا كنا نرصد جيداً صاحب أو أصحاب القرارات، فإن التنفيذ بيد جهاز الدولة البيروقراطي، ثم بيد الشعب من حيث الاستجابة لتلك القرارات.

قد نستشعر الفخر أو الخزي سيان، إذا قلنا أن بمصر واحداً من أعرق وأضخم الأجهزة البيروقراطية في العالم. أيضاً قد نستشعر الفخر أو الخزي، إذا زعمنا أن بمصر شعباً، هو من أعرق الشعوب وأكثرها خبرة، في التحايل على قرارات الحاكم والالتفاف عليها، أو بالأحرى في تحديها وإن تحدياً سلبياً، لكنه تحدياً يفوق في فاعليته في أحيان كثيرة أي تحد إيجابي أو تمرد صريح!!
الأمثلة على هذا في حياتنا المصرية أكثر من أن تحصى أو تخطئها عين فاحصة، لكن لخطورة النتيجة المترتبة عليها، لا بأس من استعراض بعض الأمثلة.

فلنبدأ من اعتراف "جمال عبد الناصر" يوماً ما، بفشله في إصلاح مستشفى القصر العيني، وكلنا نعرف من كان عبد الناصر، وقوة قبضته على البلاد والعباد، كما نعرف عزمه وعناده، ما جعله يقف في وجه القوى الكبرى، ويخوض ضدها حروباً مريرة، أي أننا لم نكن أمام قائد ضعيف خائر القوى، بل زعيم جماهيري صلب، لا يتردد ولا يتراجع. . لكننا وجدناه يقف عاجزاً عديم الحيلة (حسب اعترافه)، أمام فشل وإهمال وتسيب جزء ضئيل وهين من جهاز دولته البيروقراطي!!

الآن وبعد ثلاث سنوات ثورية إن جاز التعبير، الوضع المصري مضاد تماماً للحالة التي ضربنا بها المثل عاليه، والتي كانت حالة دولة قوية منضبطة مهابة من الشعب. . الآن سقطت تماماً هيبة الدولة المصرية، وشرع الشعب المصري منذ 25 يناير 2011، يمارس الحرية التي يعرفها على أوسع نطاق. . حرية الفوضى وانتهاك القانون، والضرب عرض الحائط بكل معايير القيم والذوق بل والأخلاق.
إذا نظرنا إلى الآن فوضى المرور في شوارع مدن الجمهورية وعلى طرقها السريعة، وجدنا حالة من توحش الاستبداد الشعبي الفوضوي. وهو ما يبدو أنه يحتاج إلى قوات ردع، تشبه تلك القوات التي قامت بعملية "عاصفة الصحراء" لتحرير الكويت. مع فارق أن قوات ردع فوضى المرور المصرية، لن تستطيع أن تنجز مهمتها، في ذات الفترة القصيرة التي أنجزت فيها قوات "عاصفة الصحراء" مهمتها!!
تجريف الأرض الزراعية وتبويرها للبناء عليها، كم من قرارات وقوانين أعلنت، وأحكام صدرت في حق المخالفين، ومع ذلك فمعدل التجريف والبناء يتعاظم ويتسارع، لنجد أنفسنا نسير وفق قاعدة "للحاكم اتخاذ ما يشاء من قرارات، وللشعب والجهاز البيروقراطي أيضاً أن يفعلا ما يريدان". بالطبع أضيف إلى هذا الآن تطوراً "ثورياً"، هو البدء في ردم مجرى نهر النيل ذاته للبناء فوقه. هي إذن "ثورة" فريدة على الطراز المصري!!

نفس هذا يقال عن الارتفاعات الشاهقة للعمارات، والمخالفة للقانون، والتي تقضي الآن قضاء نهائياً مبرماً على مستقبل كافة المدن المصرية الحضاري. ومعها إشغالات الباعة للشوارع، والتي تفاقمت بعد ثورتنا المباركة في 25 يناير 2011، لتمتد من احتلال كل من أصحاب المحلات والباعة الدجائلين على حد سواء للأرصفة، لتشمل ما يقرب أحيانا من ثلاثة أرباع نهر الطريق.

ألا تُنَبِّه وزارة الأوقاف على الأئمة بمراعاة التسامح والسلام الاجتماعي في خطبهم، مع ذلك يقوم الأئمة التابعين لقطاع من الجهاز البيروقراطي وهو وزارة الأوقاف بقيادة الغوغاء للقيام بغزوات مقدسة تحرق وتقتل وتدمر الأقباط وكنائسهم، تحت سمع وبصر وربما تشجيع من قطاع آخر من جهاز الدولة البيروقراطي وهو وزارة الداخلية!!

نقول هذا للذين يتحدثون عن التغيير، ولا يعرفون منه إلا آليات ميسرة لتبادل السلطة. . السلطة التي يقصدونها بالتحديد هي منصب رئاسة الجمهورية، ويتبعها تشكيلة الوزراء، لكن ماذا عن أصحاب السلطة الحقيقيين الذي ذكرناهم؟

أي تغيير حقيقي في حياتنا من الممكن أن نشهد، ما لم يتغير أداء كل الحكام الحقيقيين، وليس فقط الجالسون على قمة الهرم، يشاهدون المسرحية، تنتج وتخرج وتمثل أسفل السفح، حيث كل هؤلاء الممثلين أو الحكام لا يمكن استبدالهم، لأنهم نحن جميعاً؟!!
التخوف من استبداد العسكر يأتي هكذا في الدرجة الثانية، فالاستبداد الذي يصعب مواجهته، هو استبداد الملايين من المصريين، الذين لا يحترمون القانون، بل ويستشعرون ذواتهم في انتهاكه، بحيث يحتاج فرض الانضباط والأمانة عليهم، تخصيص "شرطي لكل مواطن"، وقد نجد أننا نحتاج إلى "شرطي لكل شرطي"، ليراقب سلوكه وانضباطه أيضاً. كم نحتاج من القوة، لندفع خمسة وثمانين مليوناً من البشر، إلى حيث لا يرغبون؟!!

أظن أن نجاح أو فشل أي حاكم قادم لمصر، سيعتمد بالدرجة الأولى على قابلية الشعب المصري، لأن ينخرط في منظومة إنتاجية حديثة، وأن تتحول مؤسساته التعليمية والدينية والثقافية، إلى معامل لإنتاج إنسان جدير بحياة أفضل، متصالح مع نفسه ومع العصر.
أمام رئيس الجمهورية القادم واحد من طريقين، الطريق الأسهل، وإن كان يحتاج لقدرات عالية في اللعب بكل الأوراق، هو طريق التلاعب بالقوى والتيارات الموجودة في مصر، واسترضاء هذا وتهديد ذاك. وتوظيف آلة الإعلام الجبارة، في خلق عالم مواز، من الإنجازات والانتصارات غير المسبوقة. وعدم الدخول في أي صراع، من أجل مشروع حقيقي لنهضة البلاد. الطريق الأصعب هو سلوك الخط المستقيم، نحو تأسيس دولة عصرية، تلزم الكبير والصغير باحترام سيادة القانون، وتجبر الخارجين عن مسيرة التحديث على المسارعة بالانضواء تحت رايتها. فأي الطريقين  يا ترى سيختار بطلنا الهمام؟!!

- نقلا عن: ايلاف

إرسل الموضوع لأصدقائك على الفيس بوك و تويتر


تصفح أيضاً من أرشيف المقالات

عزيزتنا أمريكا: "تايم اوت" من فضلك
التجربة الأخوانية ويوم الخلاص
حماس والإخوان!
ورده.....
خطاب مفتوح لكل الاقباط

شاهد أيضاً من أرشيف الفيديو

العراق.. أمريكا تقوم بالتسليح بغرض التقسيم
الإخوان الارهابية تدعو لـ"هبة شعبية" في مصر
آخر تطورات حادث الطائرة المصرية المنكوبة
إبراهيم عيسى يكشف عن علاقة الاخوان بـ28 يناير وحريق القاهرة
د. سمير غطاس: إنتهت مهلة مجلس التعاون الخليجي لقطر لكي تعود للصف العربي

قائمة العار للدول التي تضطهد الأقليات- أغلبها دول اسلامية وبعضها يدعم الارهاب

كوريا الشمالية
السعودية
العراق
ارتريا
افغانستان
باكستان
الصومال
السودان
إيران
ليبيا
اليمن
شمال ووسط نيجيريا
اوزباكستان
قطر
مصر
الأراضي الفلسطينية
بروناي
ماليزيا
أزربيجان
بنجلاديش
الجزائر
الكويت
اندونيسيا
تركيا
البحرين
عمان