الأخبار القبطية - بالكلمة ننتصر

اسطورة قرآن مكة وقرآن المدينة؟

سامي الذيب - 6 فبراير 2014

وفقا للتقليد الإسلامي، ولد النبي محمد (واسمه الحقيقي هو قثم بن عبداللات) في مكة عام 570. وقد "نزل عليه الوحي" لأول مرة وفقا للرأي الراجح في ليلة 27 رمضان لسنة 13 قبل الهجرة (الموافقة 27 اغسطس 610 ميلادية) المعروفة بليلة القدر ويشير اليها القرآن في الآيات 25-97 : 1-5 وتسمى الليلة المباركة في الآية 64-44 : 3. وقد هاجر النبي محمد من مكة في التاسع من سبتمبر 622 متوجها نحو المدينة (واسمها سابقاً يثرب) التي زارها أولا في 24 سبتمبر، ثم أقام فيها بداية من الرابع من أكتوبر. وتعتبر هذه السنة نقطة انطلاق التقويم الإسلامي الهجري الذي بدأ في 16 يوليه 622 (الموافق لأول محرم). وتوفي النبي في المدينة في 8 يوليه 632.

وعلى رأي الأزهر، فإن عدد السور التي "أُنزِلت" على النبي قبل الهجرة يبلغ 86 سورة، وتُكوِّن ما ندعوه بالقرآن المكي. وعدد السور التي نزلت بعد الهجرة 28 سورة، وتكون ما ندعوه بالقرآن الهجري (أو المدني). ولكن يجب أن نشير هنا الى أن القسم المكي لا يتضمن فقط الآيات التي "نزلت" قبل الهجرة. فهناك 35 سورة مكية تتضمن آيات "نزلت" بعد الهجرة.

وقد تم تجميع القرآن بصورة غريبة عجيبة دون الالتزام بالتسلسل الزمني "للنزول" بل تقريبا وفقا لطول السور مع استثناءات اهمها وضع الفاتحة في أول القرآن رغم أنها تحمل رقم خمسة في تسلسل النزول وفقا للتقليد الإسلامي . وتم وضع سورة العلق والتي هي أول ما نزل من القرآن في المرتبة 96. ورغم التواتر في نشر القرآن وفقا لهذا الترتيب الغريب العجيب، فإن الفقهاء يعتبرون معرفة السور المكية والسور المدنية من شروط الفقيه، خاصة للتفريق بين الآيات الناسخة (التي نزلت أولاً) والمنسوخة (التي نزلت لاحقاً). ولذلك يتم عامة ذكر ترتيب السور وفقا للترتيب الزمني للنزول. وقد وضع الفقهاء المسلمون ضوابط للتفريق بن الآيات المكية والآيات المدنية وهي كما يلي:
1) كل سورة فيها لفظ "كلا" فهي مكية وقد ذكر هذا اللفظ في القرآن ثلاثا وثلاثين مرة في خمس عشرة سورة كلها في النصف الأخير من القرآن.
2) كل سورة فيها سجدة فهي مكية لا مدنية.
3) كل سورة في أولها حروف التهجي فهي مكية سوى سورة البقرة وآل عمران فإنهما مدنيتان بالإجماع. وفي الرعد خلاف.
4) كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم السابقة فهي مكية سوى البقرة.
5) كل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهي مكية سوى البقرة أيضا.
6) كل سورة فيها يا أيها الناس وليس فيها يا أيها الذين آمنوا فهي مكية مع بعض الاستثناءات.
7) كل سورة فيها الحدود والفرائض فهي مدنية.
8) كل سورة فيها إذن بالجهاد وبيان لأحكام الجهاد فهي مدنية.
9) كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية ما عدا سورة العنكبوت. وفي الحقيقة تعتبر سورة العنكبوت مكية ما عدا الآيات الإحدى عشرة الأولى منها فإنها مدنية. وهي التي ذكر فيها المنافقون.

ولتسيهل قراءة القرآن قمنا بطابعته وفقا للتسلسل التاريخي (حملها من هنا http://www.sami-aldeeb.com/articles/view.php?id=315 ). وهذه أول مرة في التاريخ يتم فيها طباعة القرآن باللغة العربية بهذا الأسلوب. وقد بنى المفكر السوداني محمود محمد طه فكرته في اصلاح المجتمع الإسلامي واخراجه من الورطة الحالية على تقسيم القرآن إلى قسم مكي وقسم مدني، مطالبا بالرجوع لقرآن واسلام مكة المسالم وترك قرآن واسلام المدينة العنيف الذي يخالف حقوق الإنسان (أنظر كتابه الشهير "الرسالة الثانية من الإسلام" http://www.alfikra.org/book_view_a.php?book_id=10). إلا ان دعوته هذه لاقت رفضا تاما من قِبَل الأزهر والهيئات الدينية الإسلامية الأخرى فألبت عليه السلطات القضائية السودانية التي قامت بشنقه في 15 يناير 1985.

وقد احتج بعض قرائي الغربيين على هذا التقسيم معتبرين ان قرآن مكة ليس مسالماً ويحمل في طياته بذور العنف والتمييز بين المسلم وغير المسلم. ويعطون مثالا على ذلك سورة الفاتحة التي تقول: "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ". فوفقا لكثير من المصادر السنية والشيعية، إن لم يكن أكثرها، تشير عبارة "الذين انعمت عليهم" إلى المسلمين، وعبارة "المغضوب عليهم" إلى اليهود، وعبارة "الضالين" إلى النصارى. وهذا بطبيعة الحال تحريض على البغض تجاه النصارى واليهود. وهنا القرآن لا يختلف عن النازية التي تفرق بين الجنس الآري الذي يحتل المنزلة العليا والجنس غير الآري الذي يحتل المنزلة السفلى. وهناك آيات مكية كثيرة تفرق بين المسلمين والكافرين. وهو تفريق بغيض لا يمكن على أساسه بناء مجتمع المواطنة المبني على المساواة مهما كانت ديانة الأفراد.

وهذا الاحتجاج مشروع. فالقرآن المكي ليس كله عسل. ولا بد من تنقيته من الشوائب. ولكن يمكن القول بأن الغاء قرآن واسلام المدينة خطوة ايجابية للأمام لتخليص المجتمع الإسلامي من كثير من الشرور التي نتجت عنه والتي ما زلنا نعاني منها اليوم.

ولكن الاعتراض الأكثر اهمية يتعلق فيما اذا كان هناك فعلا قرآن نزل في مكة وقرآن نزل في المدينة. فبعض الباحثين الغربيين يرفضون جملة وتفصيلا تقسيم القرآن إلى مكي ومدني. فهذا التقسيم يعني ان هذا النص مرتبط بشخصية محمد ومرحلتي حياته في مكة قبل الهجرة (والتي يمكن وصفها بالمسالمة وذات طابع اخلاقي) وحياته بعد الهجرة في المدينة (والتي يمكن وصفها بالعنيفة وذات طابع تشريعي)، ولذا لا بد ان يعكس القرآن التحولات التي عاشها في المرحلتين. وهذا يعني أيضا وجود وحدة في النص القرآني. ولكن هناك شك في ذلك. فقد يكون القرآن مجرد تجميع قصاصات يشوبها التكرار مرارا من اوساط وعصور مختلفة لا يجمع بينها إلا عنوان الكتاب تم التأليف بينها لتعكس وحدة كتابية ولكن دون نجاح. فالسور تختلف اختلافا شاسعا بين بعضها البعض فيما يخص الإنشاء والمضمون، وهذا الاختلاف بائن حتى ضمن السورة الواحدة. وليس هناك دلائل قطعية تؤكد بأن سورة أو آية معينة تنتمي إلى المرحلة المكية أو المرحلة المدنية، وهو امر يعترف به الفقهاء المسلمون ذاتهم.

اضف إلى ذلك أن هناك من يشك في الرقعة الجغرافية التي يرتبط بها القرآن (أي الحجاز)، لا بل في وجود محمد ذاته كشخصية تاريخية. فقد يكون النص القرآني منتوج منطقة الشام لأن المخطوطات المتوفرة من القرآن كتبت بالخط العربي السائد في تلك المنطقة بينما الخط السائد في الحجاز هو خط جنوب الجزيرة العربية وليس لدينا أي مخطوط قرآني بذاك الخط. كما انه ليس هناك دلائل على أن مكة كانت مدينة تجارية كما تصورها المصادر الإسلامية في القرن السابع، ومحمد ذاته قد يكون شخصية مختلقة. فالقرآن لم يذكر اسمه إلا في الآيات المدنية التالية 89-3 : 144 و 90-33 : 40 و 95-47 : 2 و 111-48 : 29، بينما ذكر اسم عيسى 25 مرة و 11 مرة بلقب المسيح. والمصادر التاريخية الإسلامية المكتوبة تعود الى قرابة قرنين بعد وفاة محمد (عام 632) ولا يمكن التحقق من مدى صحة تلك المصادر. وكذلك الأمر فيما يخص كتب الحديث. فابن هشام، مؤلف السيرة النبوية، توفي عام 833، ويعتقد أن كتابه مجرد اختصار لسيرة ابن اسحق التي فقدت، وقد توفي ابن اسحق عام 768. والبخاري، صاحب الصحيح الشهير، توفي عام 870، أي 238 سنة بعد وفاة محمد.

والأهم من كل ذلك هو موضوع النزول. فإن كانت بعض الآيات تنتمي إلى ما يسمى بسجع الكهان المعرف في الجزيرة العربية ومرتبطة بشخصية مضطربة اطلق عليها محمد بعد النبوة (واسمه الحقيقي هو قثم بن عبداللات)، فغالبية النصوص القرآنية يمكن اعتبارها سرقات أدبية، وهو امر معروف في كل الثقافات حتى في عصرنا هذا، تماما كما سرق مؤلفو التوراة أساطير ما بين النهرين. ولا أكون مبالغاً إن قلت أن 80% من نصوص القرآن مسروق من النصوص اليهودية والنصرانية وغيرها نُسبت لغاية في نفس يعقوب إلى الله. ويمكن الآن ارجاع أكثر تلك النصوص المبتورة والمشوهة إلى مصادرها. وهو ما قمت به في هوامش طبعتي العربية للقرآن مما لا يدع أي مجال للشك في أنها نصوصا مسروقة.

يمكن اذن القول أنه من المستحيل تقسيم القرآن إلى قرآن مكي نزل في مكة، وقرآن مدني نزل في المدينة. وكل ما يمكننا قوله أنه يمكن تصنيف نصوص القرآن في خانتين: نصوص مسالمة، ونصوص عنيفة. وهو امر ينطبق ايضا على نصوص التوراة.

وإن صح هذا القول، فما فائدة طباعة القرآن بالتسلسل التاريخي، إذا لم يكن هناك تسلسل وإذا كان القرآن مجرد تجميع قصاصات متناثرة؟ والجواب يكمن في كون طبعتي العربية للقرآن تتبع ما يجمع عليه المسلمون في أن القرآن ينقسم قسمين، قسم مكي وقسم مدني، وأن هناك تباين شاسع بين القسمين. فأنا لم اخترع شيئا من عندي، بل اقسم القرآن وفقا لما يقترحه الأزهر ذاته وما هو مذكور في جميع المصاحف المطبوعة المتوفرة اليوم مع اختلاف هام هو أني لا اكتفي بذكر رقم السورة بالتسلسل التاريخي (كما في الطبعات المصرية والسعودية مثلاً) بل قمت بترتيب تلك السور وفقا لما تقوله هذه الطبعات حتى يظهر للعيان ما هي السور التي يمكن وصفها بسور مكية وبسور مدنية. وقد أضفت إلى هذه الطبعة إشارة إلى اختلاف القراءات والناسخ والمنسوخ والأخطاء اللغوية والإنشائية ومصادر النصوص القرآنية كما اني اقدم للقارئ النص القرآني غير منقوط وغير مشكول كما نجده في مخطوطات القرآن المتوفرة اليوم. فإذا ثبُتَ بطلان تقسيم الفقهاء المسلمين تكون المشكلة فيهم لا في عملي، وهذا لا ينقص من اهمية المعطيات الأخرى التي اضفتها إلى طبعتي والتي لا تتوفر في أي طبعة أو ترجمة للقرآن.

د. سامي الذيب
مدير مركز القانون العربي والإسلامي http://www.sami-aldeeb.com
كتبي المجانية : http://www.sami-aldeeb.com/sections/view.php?id=14
حملوا طبعتي العربية للقرآن بالتسلسل التاريخي والرسم الكوفي المجرد : http://www.sami-aldeeb.com/articles/view.php?id=315
حملوا كتابي عن الختان : http://www.sami-aldeeb.com/articles/view.php?id=131
ومن يجد مشكلة في التحميل أو يريد التبرع لهذا المشروع، يمكنه الاتصال بي على عنواني التالي:
sami.aldeeb@yahoo.fr

- نقلا عن: الحوار المتمدن

إرسل الموضوع لأصدقائك على الفيس بوك و تويتر


تصفح أيضاً من أرشيف المقالات

صوم الميلاد.....
الغاء المادة الثانية من دستور مصر واجب دينى وقومى اسلامى
يونان النبى إنسان الله وسط الصراعات
هولوكست الاقباط
حاجة " تلخبط " العقل ..

شاهد أيضاً من أرشيف الفيديو

مدير أمن الجيزة: الإخوان استخدموا الخرطوش وأصابوا طلاب داخل الحرم الجامعى
العصابات الارهابية المدعومة من قطر والسعودية وتركيا تغتال الأمن في سوريا
المصريين الأحرار يختتم مسابقة الخطابة في مواجهة الارهاب
الجاليات المصرية في الخارج تستعد للمشاركة في الانتخابات
عبد اللطيف المناوي ولقاء مع قداسة البابا تواضروس الثاني

قائمة العار للدول التي تضطهد الأقليات- أغلبها دول اسلامية وبعضها يدعم الارهاب

كوريا الشمالية
السعودية
العراق
ارتريا
افغانستان
باكستان
الصومال
السودان
إيران
ليبيا
اليمن
شمال ووسط نيجيريا
اوزباكستان
قطر
مصر
الأراضي الفلسطينية
بروناي
ماليزيا
أزربيجان
بنجلاديش
الجزائر
الكويت
اندونيسيا
تركيا
البحرين
عمان