الأخبار القبطية - بالكلمة ننتصر

المسيح هو مثلنا الأعلى

مجدي خليل - 23 أبريل 2013

في فترات الأزمات يتعثر البشر وتهتز ثقتهم في النماذج الإنسانية الصالحة ويتراجع إيمانهم بالقيم وتتهاوى أمامهم المثل ويصبح كل شيء مشروخا مهزوزا مضطربا ضبابيا... ويكون الشك سيد الموقف.
فلان كان بمثابة مثلي الأعلى، أنا صدمت فيه. أنا أشعر بحزن لغياب المثل الأعلى. أين القدوة؟ أين النموذج؟ ما كنت أتخيل أن هذا الشخص العظيم يعمل كده. أنا مصدوم في الناس.
هذه العبارات وغيرها أسمعها كثيرا تتردد وخاصة من الشباب، وهي تعكس خطأ منهجيا في إختيار النموذج والقدوة والمثل الأعلى. فلا يوجد في البشر نموذج للكمال يمكن التعلق به "فالجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الله" (رومية 12:3). ولا يوجد إنسان بلا خطية ولو كانت حياته على الأرض يوما واحدا.
تقابلت في حياتي مع بشر من مختلف الأعراق والأجناس والأديان والألوان والمذاهب والأنواع: رجال دين وناس عاديون، نساء ورجال، شباب وعجائز، بيض وسود وملونون، متعلمون وجهلة، علماء وعمال، .. .. ووجدت الجميع ينطبق عليهم قول أبي نواس "قل لمن يدعي في العلم معرفة.. حفظت شيئا وغابت عنك أشياء"، وما يسري على العلم يسري على الفضائل والأخلاق والنزاهة والأحترام.. فلا يوجد كمال إطلاقا في الحياة، فكل إنسان حفظ شيئا وغابت عنه أشياء.. تقابلت مع بشر في هذا العالم الواسع أرقى بكثير من نصوص أديانهم وأكثر سموا وأخلاقا حتى من أنبيائهم، وتقابلت مع بشرا أخرين ينطبق عليهم قول المهاتما غاندي "لولا المسيحيين لصرت مسيحيا" ووجدت بشرا من أديان تصنف وضعية ويعبدون ما يشبه الأصنام ومع هذا فهم أرقى أخلاقا بكثير ممن يدعون أنهم ينتسبون إلى الأديان السماوية. تقابلت مع رجال دين رائعين ورجال دين جشعين وتافهين، وتقابلت مع ناس عاديين أكثر من رائعين وبشر أخر مستودع لا ينتهي للشر.. ولكن في كل ما قابلت في حياتي لم أجد شخص يستحق أن أطلق عليه بأنه مثلي الأعلى. نتعلم من الجميع من الأطفال إلى الشيوخ.. ولكن المثل الأعلى مسألة مختلفة.
ولأن المسيح "يعلم طبيعة البشر" فقد قالها بصراحة "تركت لكم مثالا لكي تتبعوا خطواته" وقال "تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم". المسيح حسم الموضوع وطلب مباشرة من المؤمنين به أن يكون هو مثلهم الأعلى حتى لا يصدموا يوما ما بالطبيعة البشرية في فسادها وقسوتها. ولا يوجد قديس مهما إن كانت قامته الروحية يصلح بأن يكون مثل أعلى، فالكتاب المقدس واضح "أنظروا إلى نهاية سيرتهم وتمثلوا بأيمانهم". بمعنى أن الأعمال الصالحة هي نتيجة للإيمان العامل فيهم، ولم يقل الكتاب المقدس خذوهم مثلا أعلى فجميع القديسيين من أبونا أدم إلى يومنا هذا أرتكبوا أخطاء صغيرة وكبيرة ومن يسعى للكمال لن يجد فيهم النموذج. الوحيد الذي شابهنا في كل شيء ما عدا الخطية وحدها هو السيد المسيح، ولهذا فهو الوحيد الذي يستحق أن يكون مثلنا الأعلى والوحيد الذي طلب منا أن نتخذه مثلا أعلى. "ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله"، "ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب" (مز 8:34). ولهذا يقول القديس أغسطينس "لقد خلقتنا لنفسك يا الله وستظل قلوبنا قلقة إلى أن تجد راحتها فيك".
من هو المسيح هذا الذي يستحق أن يكون مثلنا الأعلى؟
لقد عرفنا المسيح بنفسه وعرفناه من آخرين. قال عن نفسه "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يوحنا 6:14). "أنا هو الراعي الصالح. والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف" (يوحنا 11:10). "أنا هو الباب إن دخل أحد بي فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى". (يوحنا 9:10). "أنا هو الألف والياء الأول والآخر" (رؤيا 11:1). "أنا هو نور العالم. من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة" (يوحنا 12:8). "أنا هو خبز الحياة من يقبل إلي فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدا" (يوحنا 35:6). "أنا الألف والياء البداية والنهاية. الأول والآخر. أنا أصل وذرية داود. كوكب الصبح المنير" (رؤيا 13:22،16). "أنا هو ابن الله" (يوحنا 35:9- 38).
قيل عن السيد المسيح "قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة مدخنة لا يطفأ" وأنه كان طوال حياته على الأرض "يجول يصنع خيرا ويشفي الذين تسلط عليهم ابليس"، حتى قيل عنه "للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، أما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه". قال عنه أشعياء النبي "يدعي أسمه عجيبا مشيرا إلها قديرا أبا أبديا رئيس السلام" (أشعياء 6:9). وقال عنه أشعياء أيضا "أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها.. مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل أثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبه شفينا. ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه. كشاه تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه" (أشعياء 4:53-8). وقيل عن محبته "ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع نفسه لأجل أحباءه".
فالمسيح هو "رئيس السلام" (أشعياء 1:9- 7)، "وهو المخلص" (أشعياء 1:53- 21)، وهو الملك (زكريا 9:9-12) وهو الطريق والحياة (أمثال 1:8-12)، وهو الحكمة (أمثال 1:8-21) وهو رئيس الإيمان ومكمله (عبرانيين 1:12-3)، وهو وسيط العهد الجديد (عبرانيين 11:9-28)، وهو رئيس الكهنة (عبرانيين 1:8-13)، وهو الصخرة الروحية (كورنثوس الأولى 1:10-14)، وهو الرب القائم من الأموات (كورنثوس الأولي 1:15-28) وهو الإله المصالح للبشرية والمتجسد في الطبيعة الإنسانية، وحامل خطايانا، وهو المدخر فيه جميع كنوز الحكمة والمعرفة" (كولوسي 3:2) ، وهو "صورة الله غير المنظور. بكر كل خليقة" ( كولوسي 51:1)، "وبه ومنه كل الأشياء" ( رومية 36:11).
ولأن الله هو مصدر الكمال وهو الكمال بعينه فهو يدعونا للكمال "كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل"، بمعنى أن ننظر إلى كماله ونتخذه مثالا لما نصبوا إليه، وكما يقول المثل "صوب هدفك نحو القمر لعله يصيب قمة الجبل"، فتطلع الإنسان نحو الكمال هو الطريق الأمثل لمعرفة أين هو بالضبط ولتحقيق نتائج إيجابية في حياته.
المسيح كمثل أعلى وكرمز للكمال لا يخذل أبدا من ينظر إليه ويتطلع إليه، ولن يصدم أبدا من يتعلق به "الذين نظروا إليه إستناروا ووجوههم لا تخزى"، ولا يعامل البشر حسب خطاياهم ولكن وفقا لرحمته ومعونته فهو " يعطي بسخاء ولا يعير"، ولا يعاقبنا على عدم أمانتنا لأنه سيبقى أمينا إلى المنتهى" إن كنا غير أمناء فهو يبقى أمينا لن يقدر أن ينكر نفسه" (2 تيموثاوس 11:2).
ويكفي المسيح كمثل أعلى لنا إنه مات لأجل خطايانا "فمن أجل بار قد يجسر أحد أن يموت، ولكن وإن كنا بعد خطاة مات المسيح لأجلنا" ويكفينا درته التعليمية ودرة المسيحية "الموعظة على الجبل" والتي تعتبر أسمى تعاليم عرفها الفكر البشري ونقلت الإنسان إلى مستوى أخر في السمو.
وكليبرالي وعلماني وضع لنا المسيح القاعدة الذهبية في فصل الدين عن الدولة" أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله".
وكناشط حقوقي أجد المسيح رغم أنه" كان وديعا ومتواضع القلب" إلا أنه كان حادا وقويا مع الظالمين، وكان شاهدا أمينا على عصره. أدان الظالمين إدانة واضحة. وحتى وهو ذاهب إلى الصليب كان قويا وقال لبيلاطس "لقد أتيت إلى العالم كي أشهد للحق وكل ما هو من الحق يسمع صوتي"، وفي كثير من الترجمات الأجنبية "جئت لأشهد للحقيقة". وقيل عن المسيح "جاء ليخرج الحق إلى النصرة وعلى اسمه يكون رجاء الأمم" أي أنه جاء لينتصر للحق وللحقيقة. لم يكن السيد المسيح وديعا مع الظالمين قال عن هيرودس "إمضوا وقولوا لهذا الثعلب"، ووصف الكتبة والفريسيين بأنهم حيات أولاد أفاعي وأنهم كالقبور المبيضة من الخارج وفي داخلها عظام نتنة وأنهم مراؤون، وأنهم قتلة الأنبياء".
باختصار في المسيح كل كنوز الحكمة، والحب الأسمى حتى أن القديس أغسطينس يقول "أنا موجود لأن الله صالح" فمن مراحم الرب أننا لم نفن.
لكل هذا وللكثير الذي لا يتسع المكان لذكره فإن المسيح هو مثلي الأعلى، وهو الوحيد الذي يمكن أن نطلق عليه مثلنا الأعلى، وهو الوحيد الذي لن نصدم فيه أبدا.
ولهذا أقول لمن يريد أن يستريح من أوجاع البشر ونكرانهم وغدرهم وكذبهم وفسادهم وغرورهم وقسوتهم وأنانيتهم وجشعهم وشرورهم ومعاركهم التي لا تنتهي وطبيعتهم الفاسدة، عليه أن يتخذ المسيح مثله الأعلى ووقتها سوف ينظر إلى البشر بنظرة مختلفة.. سوف يعرف طبيعة البشر مثل سيده، وسوف لا يتخذ سلوكهم الفاسد معيارا للتقييم وإنما كمال المسيح سقفا للسمو، وسوف لا يفاجئ بأي شيء لأنه محصن ضد المفاجأت وسوف ينام مستريحا لأن إتكاله على الله وليس على البشر وكما يقول الواعظ الشهير بيلي جرهام "القلق هو النتيجة الطبيعية عندما تتركز آمالنا في شيء غير الله ومشيئته لنا".
ولهذا عزيز القارئ وعزيزي الشاب لا تنظر إلى النفوس البشرية الصغيرة ولا تأخذ منها مثالا ونموذجا، لأن أمامك النموذج الأكمل والأمثل والأرحب والأجمل.. الأبرع جمالا من بني البشر
في المسيح رجاؤنا وخلاصنا ومثالنا
به نحيا ونتحرك ونوجد

إرسل الموضوع لأصدقائك على الفيس بوك و تويتر


تصفح أيضاً من أرشيف المقالات

عمليه الانتقال الديموقراطى غير واضحة المعالم وضبابية بالكامل بمصر
مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة
ثروت باسيلى: إبراهيم الجوهرى عصرنا
حاسب
فيلم أيامنا الفاسدة

شاهد أيضاً من أرشيف الفيديو

استغاثة: شنودة سامي مخطوف في ليبيا منذ شهرين ولا نعلم عنه شئ!
المادة رقم 2من المواد الخلافية في مشروع بناء وترميم الكنائس
الخبراء يقيمون وثيقة إعلان مبادىء سد النهضة ويناقشون بنودها
العراق.. أمريكا تقوم بالتسليح بغرض التقسيم
أبرز ردود المواطنين المصريين في العاصمة لندن أثناء زيارة السيسي

قائمة العار للدول التي تضطهد الأقليات- أغلبها دول اسلامية وبعضها يدعم الارهاب

كوريا الشمالية
السعودية
العراق
ارتريا
افغانستان
باكستان
الصومال
السودان
إيران
ليبيا
اليمن
شمال ووسط نيجيريا
اوزباكستان
قطر
مصر
الأراضي الفلسطينية
بروناي
ماليزيا
أزربيجان
بنجلاديش
الجزائر
الكويت
اندونيسيا
تركيا
البحرين
عمان