الأخبار القبطية - بالكلمة ننتصر

إبحار في محيط العبث

كمال غبريال - 19 يناير 2014

• يحدث مثل هذا الإبحار، حين تطغى أصوات التصفيق، على أي همس عقلاني. عندما يردد الجميع كلمة واحدة، فهذا لا يعني أنه ليس هناك ثمة خطأ يتحتم الحذر من الوقوع فيه. في الأفلام المصرية الهابطة، ينقذ البطل البطلة من الموت، ثم يتزوجها. من ينجح في إنقاذك من حفرة، ليس من المحتم أن يكون خير دليل لك لعبور مستنقع مميت. لذا أقول لعزيزي البطل القومي المصري الفريق أول/ عبد الفتاح السيسي: احتفظ بموقعك كوزير للدفاع، ليأتي الفريق/ أحمد شفيق رئيساً للجمهورية، وتشكلا معاً فريقاً من العلماء المصريين، قادراً على دفع مصر في طريق التنمية والحداثة. الانتخابات ليست عملية صناعة مرشح، نصمم مواصفاته النموذجية، وفق ما يقول كتاب السياسة أو الكاتالوج، لكنها عملية اختيار الأفضل أو الأقل سوءً، من بين المرشحين المعروضين علينا. وأراه ميزة في الظروف المصرية الراهنة، أن يكون الفريق/ أحمد شفيق، "أبيض" سياسياً، فهذا يعني على الأقل أنه بريء من الرؤى السياسية المأفونة الرائجة بمصر، كما يعني حريته في التحرك البراجماتي لتحقيق الأهداف التنموية. رئيس الجمهورية النموذجي في رأيي، هو من لا يجلب علينا بفكره المصائب، كما يحدث دائماً من كل الزعماء الضرورة الملهمين، الذين عرفتهم شعوب العالم المتخلف. أما الإنجازات والتوجهات الإيجابية، فنتوقعها من مؤسسات الدولة، ومراكز صنع القرار. . لهذا تحديداً أميل إلى أحمد شفيق، من حيث هو ليس أكثر من رجل إدارة من الدرجة الأولى. . مع هذا فإنه إذا قرر السيسي ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية، لابد وأن أختاره رئيساً، آملاً أن تخيب ظنوني وهواجسي، وتتبدد مع الممارسة مخاوفي.

• كم هائل من الجرائم ارتكبت في حق مصر وأهلها منذ 25 يناير 2011. لكنني أرى الأكثر جرماً، هم من أهدروا فرصة سانحة لدفع مصر للأمام، بعد الحماس الجماهيري غير المسبوق في 30 يونيو 2013. لقد أضاعوا الأمل في تجاوز عقبة الفكر الظلامي المستشري، بعدما هتف عشرات الملايين "يسقط حكم المرشد"، وهو ما كان يمكن البناء عليه، للفصل بين الدين والدولة. إن لجنة الخمسين لتعديل الدستور لم ترتكب خيانة للثورة ولا للشعب المصري فقط، بل خيانة للإنسانية، وقد كانت مصر جديرة في هذا الظرف تحديداً، برفع لواء تخليصها من الفكر الظلامي وذئابه. . أفهم أن يكون "تحقيق الممكن" تكيتيكاً مرحلياً، يستخدم في ظروف خاصة محدودة، لكن أن يتحول إلى استراتيجية دائمة، نتعامل بها في حياتنا عبر مختلف الظروف والأزمان، فإن النتيجة ستكون مداومة الغرق في أوحالنا، دونما أمل في مبارحتها. أنا لا أخشى على مصر في هذه المرحلة من الاستبداد العلماني، فنحن في أشد الحاجة إليه، بعد حالة التسيب والفوضى، وتصدع كثير من مؤسسات الدولة. أخشى فقط من استبداد يدخلنا في نفق الدولة الدينية، وهو ما تبدو مؤشراته فيما يخرج على لسان السيسي، وفي دستور عمرو موسى السلفي.

• أستطيع باطمئنان القول، أن أغلب المشاركين في ثورة 30 يونيو، يعتبرون ما حدث في 25 يناير، كارثة حلت بالبلاد. . لعل ما هو أخطر من التخريب الذي أحدثه ثوار 25 يناير بالبلاد، حتى يتمكن الإخوان منها، كان طوفان الأكاذيب التي أغرقونا بها. لقد غرقت مصر كما تيتانيك في محيط أكاذيبهم، ومازالت للآن غارقة تستعصي على التعويم. أنتظر مثلاً تحقق العدالة بمحاكمة د. حسام عيسى، على اتهامات الفساد التي أغدقها بكرم حاتمي على رجال مصر الشرفاء، وساهم من خلالها في خداع عشرات الملايين من المصريين. فمهما كان حجم الفساد في حاشية مبارك، فقد كانوا بالتأكيد أطهر من المستوى العام للشعب المصري. أعتقد أنهم كانوا أفضل وأنظف الممكن في مثل البيئة المصرية. أما فيما بعد 25 يناير 2011 وحتى الآن، فأسراب الصراصير والجراد تتكالب على جثة مصر، المنطرحة على وجهها.

• كي أكون واضحاً: وصفي وتقييمي السلبي لما حدث بعد 25 يناير 2011، هو من قبيل تقرير ما أراه واقعاً وحقيقة علينا جميعاً الاعتراف بها. لكن هذا لا يعني أنني كنت في أي لحظة أو مرحلة ضد مبدأ الثورة على ما كنا عليه في عهد مبارك. المشكلة هي انعدام البديل الأفضل، ما جعل أي تحرك شعبي يأتي بنتائج سلبية. لنخلص مما جرى بنتيجة، أن إرادة التغيير لابد وأن تحول اتجاهها، من استهداف القمة، إلى التغيير في قاعدة الهرم الاجتماعي والثقافي. . الرؤى المثبتة في اجتهاداتي السياسية في عصر مبارك، كانت تلح على هذه النتيجة، لكن ما حدث أنني عندما وجدت الجماهير تخرج في 25 يناير تهتف للحرية، كذبت نفسي وأفكاري ورؤاي، وصدقت الجماهير، وكتبت أيامها وقلت لأصدقائي، أن الشعب المصري بثورته العارمة، أثبت أن كل أفكاري وكتاباتي في هذا الشأن مجرد هراء. لكن واأسفاه، اتضح فيما بعد أن الهراء هو توقع الأفضل، من ثورة جماهير موغلة في الفساد والجهل والتعصب والظلامية.

• أظن أنه لم ترتكب جريمة كبرى في تاريخ البشرية، إلا وكانت ترفع راية أحد "المبادئ والقيم المقدسة". كان يمكن لبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إذا أراد كمواطن مصري إعلان رأيه في دستور بلاده، أن يعلن موافقته الشخصية عليه إجمالاً، أو يفصل كما يشاء تبريراً لهذه الموافقة، بمنهج موضوعي، يحترم فيه عقلية من يخاطبهم. لكن أن يقول "نعم للدستور تعطى بركات ونِعَماً كثيرة"، فهذا أسلوب لا أراه يليق بمركزه الأدبي والروحي، يخلط فيه ما بين السياسي وبين المقدس (بركات ونِعَم). لست أدري حقيقة لماذا لجأ الأنبا تاوضروس لهذا الأسلوب، هل لأن هذه هي حدود قدراته الفكرية، أم لأنه تعود خطاب التغييب والخداع باسم المقدس، أم هو مجرد استسهال واستهانة بعقول من يخاطبهم؟. . يبدو أنه عبثاً ننتظر المنطق والاستنارة من حملة المباخر!!. . الحقيقة أن الفكر السياسي الشائع في مصر، يتراوح ما بين فكر الميكروفونات الحنجوري، وفكر غرز الحشيش والأفيون والبانجو، وفكر التقديس التغييبي. . بين هذه الأنواع الثلاثة يتأرجح مثقفونا وشعبنا، وينهل كل منهم منها بالقدر الذي يشاء، لينتج لنا تنوعاً، يبقينا أسرى ما نخوض فيه من عفن وتخلف منذ ستة عقود مضت. وليس أدل على هذا من أنه رغم انقضاء العصر الناصري منذ أكثر من أربعين عاماً، إلا أن انبعاثات روائحه الكريهة مازالت تزكم الأنوف حتى الآن. في رواية "الطاعون" لألبير كامو، كان الحل في حصار المدينة، حتى أخذ الطاعون مداه، ودخل مرحلة الانحسار. . عن عموم أقطار ما سميناه الربيع العربي، وليس مصر فقط أتحدث!!

• "إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، وإذا أكرمت اللئيم تمرد". تذكرت هذه المقولة بمناسبة الأحاديث عن التمويلات الغربية لتدريب الشباب المصري، باعتبارها مؤامرة على مصر. "نعيب الغرب والعيب فينا"، في تردي ضمائرنا وأخلاقياتنا. الغرب يمنح فرصاً لمنح دراسية لآلاف الشباب المصري في مختلف مجالات العلم. لكنها أخلاقنا وأحقادنا وكراهيتنا لكل ما هو متحضر وغربي، ما يجعلنا ننعت الغرب المانح، بكل بلايا المتخلف الممنوح!!

• اذا سايرنا من قبيل الجدل مسألة وجود "هوية" شخصية أو وطنية، فإن محو الهوية، يختلف تماماً عن تطويرها، لتواكب التطور الإنساني بصورة عامة. فمحو الهوية يكون باستخدام ضغوط خارجية مباشرة أو غير مباشرة، لصالح هوية محددة، يريد أصحابها استلاب المجتمع وأفراده. أما تطور الهوية فيتم تدريجياً وتلقائياً، تتخلص الهوية خلاله مما يعوق الفرد والجماعة عن مسايرة التطورات العالمية، مع احتفاظها وتعميقها للعناصر الإيجابية، التي قد تميز الهوية. هكذا لا يصبح مفهوم الهوية رغم اعتقادنا في زيفه، حجر عثرة في سبيل تطور الإنسان والمجتمعات. وأنا شخصياً أفهم الهوية أنها الموجودة بالإمكان في المستقبل. أي فيما يستطيع الأبناء تحقيقه، وليس ما كانه الأجداد في أي عصر مضى.

إرسل الموضوع لأصدقائك على الفيس بوك و تويتر


تصفح أيضاً من أرشيف المقالات

لابد الاحتراس من الأفعي الغربية
الإرهاب والضباب
سياسة العصر الحديث
محدش راح
هل المتأسلمون مصريّون ؟

شاهد أيضاً من أرشيف الفيديو

مطالبات بالكشف الطبى والنفسى على امناء الشرطة
اجتماعي حول موضوع مسيحي العراق
الاخوان الارهابية عصابة فاشلة في تهديداتها وفي كل شئ
لقاء خاص مع السفير الروسي بالقاهرة | الجزء الأول
داعش يختطف أكثر من 300 عامل بريف دمشق

قائمة العار للدول التي تضطهد الأقليات- أغلبها دول اسلامية وبعضها يدعم الارهاب

كوريا الشمالية
السعودية
العراق
ارتريا
افغانستان
باكستان
الصومال
السودان
إيران
ليبيا
اليمن
شمال ووسط نيجيريا
اوزباكستان
قطر
مصر
الأراضي الفلسطينية
بروناي
ماليزيا
أزربيجان
بنجلاديش
الجزائر
الكويت
اندونيسيا
تركيا
البحرين
عمان