الأخبار القبطية - بالكلمة ننتصر

الأسرة والأوطان .. والأب الثعبان

سمير حبشــــــى - 29 مايو 2016 - 21 بشنس 1732

كيف يكون وجه الأرض وكم تكون مظلمة باردة ، لو غابت محبة الإنسان لأخيه الإنسان،   وتحطمت الروابط بينهما  ؟ !! ، وكيف يكون طعم الحياة لدى الكائنات والبشر ، بغير وجود الإنتماء للمجموع ، بشرا كان أو حيوان وحتى النبات أيضا ؟ !! ، بدون ذلك لا نستطيع أن نقول هنالك حياة ، وكم يبلغ حجم التخبط والمعاناة لو أن الناس عاشوا دنياهم بغير روابط ، تربط قلوبهم وعقولهم ، في تكوين كيان مجتمعي يكون هو الشكل العام لوجوه الجميع  ؟ !! . هذه تساؤلات عرفت الإجابة عليها كل العقول ، بمختلف مستوياتها وثقافاتها ، لأن موضوعها هو الأسرة ، وهى ضروريات الحياة التى لا يستقيم للناس وجود بغيرها .. وتُعرف الأسرة علي أنها هي الخلية الأساسية في المجتمع ، وأهم جماعاته الأولية ،  ومن وظائف الأسرة توطيد العلاقات بين أفراد المجتمع ، مما يؤدي إلى ازدياد قيم التكافل الإجتماعي والأمن المجتمعي،  ومحاربة معاناة الإنسان من الفقروالجهل والمرض ، كما أن من وظائفها التوحيد ، وبث الأخلاق الرفيعة بين أفراد المجتمع الواحد ، وإعلاء قيمة العلم والثقافة ، فانحدار الأمم اليوم الأخلاقي - بشكل خاص -  مرده الأول إلى التفكك الأسري.
أقول هذه الكلمات ، ونحن فى صدد الإحتفال باليوم العالمى للأسرة ، وكان هذا فى الإسبوع الماضى .. وإذا نظرنا بعين الفحص ، فسنجد أن الإنسان ينتمى إلى عدة أسر ، تبدأ بالأسرة الدولية أو العالمية ، ونحن نرى بكل وضوح الخراب والمهانة الذى يعيش فيها الإنسان ، نتيجة التفكك بين الأيدلوجيات والمطامع ، التى تغرق فى بحورها الدول ، حتى بات العالم عبارة عن غابة يأكل القوى فيها الضعيف ، ويحفر الإنسان القبور الجماعية لأخيه الإنسان ، وقد غطى العالم سحابة الخراب والدمار فى شكل الحروب العالمية ، وقد شارك فيها الغالبية العظمى من دول العالم ، وقد وضعت الدول الرئيسية كافة قدراتها العسكرية والاقتصادية والصناعية والعلمية في خدمة المجهود الحربي المدمر ، وتُعد الحروب العالمية من الحروب الشمولية، وأكثرها كلفة في تاريخ البشرية لاتساع بقعة الحرب وتعدد مسارح المعارك والجبهات فيها، حيث شارك فيها أكثر من مئة مليون جندي ، وتسببت بمقتل ما بين خمسين إلى خمسة وثمانين  مليون شخص ، ما بين مدنيين وعسكريين ، أي ما يعادل 2.5% من سكان العالم في تلك الفترة ، وقد كانت هذه هى حصيلة الخراب الذى وقع على البشرية نتيجة الحرب العالمية الثانية وحدها .. ومن هنا نعرف ونعلن ، أن الأسرة الدولية قد فشلت تماما ، أن تكون أسرة تحتضن الإنسان بدفء الإنسانية ، الذى يجب أن يكون بين الدول .
 الأسرة الثانية  وهى الوطن ، الوطن هو الأسرة التي ننعم بدفئها ، فلا معنى للأسرة دون الوطن  ، فالوطن هو الأمن والسكينة والحرية ، الوطن هو الانتماء و الوفاء والتضحية والفداء ، الوطن هو أقرب الأماكن إلى قلبي ففيه أهلي ، وأصدقائي ..  وحبي لوطني يدفعني إلى الجد والإجتهاد ، والحرص على طلب الرفعة لأجله ، وأكون دائما  إنساناً نافعاً أخدم وطني وأنفعه ، وأرد إليه بعض أفضاله علي .. ولكن  " وآه من لكن هذه " ، فعندما تتوه المواطنة فى هذا الوطن ، عن الحق والعدل ، وتصبح قاصرة على فئة ، دون الفئة الأخرى ، هنا يصبح الوطن مزرعة خاصة للبعض ، ويُجند كل مقومات العيش والحرية لهم ، وغابة يتوه فيهاالآخر ، وتُذبح حقوقه ، وتُدفن أماله ، ويُتوٍج عذاباته بعض القوانين الدينية ، مثل المادة الثانية فى دستور مصر ، والتى تسلب من الآخر كل ما له من حقوق ، وفقط ترمى على كاهله كل الكم من الواجبات .. وهنا يكون رب الأسرة أو قائد هذا الوطن أبا ظالما ، جاحد لكل مقومات الإنسانية ، وقد رأينا ما كان يردده أنور السادات مسميا نفسه بأب العائلة المصرية .. وقد عاش فى أيامة أقباط مصر - أبناؤها الشرعيون - ، أسود أيام التاريخ ، هم وأبوهم قداسة البابا شنودة الثالث .. وفى تكرار هذا النمط من الأوطان ، يكون أيضا الوطن قد فشل تماما ، بأن يكون الأسرة التى تحيط أبنائها بذراعى المواطنة الحقة العادلة .
الأسرة الثالثة  وهى العائلة ، أى الزوج والزوجة والأولاد .. والتى هي المؤسسة التربوية الأصيلة التي عرفها الإنسان ، والنواة الأولى للحياة الاجتماعية والترابط الإلهى الأصيل على الأرض ،  والتى يقع على كاهلها  تعليم الابناء ثقافة التعامل مع الآخرين ، والسلوك والمباديء وكيفية احترام الجميع ، واحترام حقوقهم الشخصية واحترام أرائهم ،  وكيفية الحديث معهم ، وكيفية تحمل المسئولية .. فالأبناء يرون الدنيا من خلال أبائهم فهم أعين أبنائهم ورمز الفضيلة والشرف والعدل والرحمة والحنان ، فإن وجد الإبن ما يناقض ذلك في سلوكيات والده ، كان ذلك مبتدأ لأول شرخ في الحوار النفسي بين الإبن وأبيه . وأول ما يلتفت اليه الأبناء من هذا السلوك هو ما يتعلق بهم مباشرة ، وعندما ينظر الإبن إلى سنوات حياته الّتي مرت ، سيرى كم كانت أهمية والده له ، ولأفراد العائلة جميعها ، فهو صاحب القلب الكبير والصدر الحنون ، هو السند والمرجع والقوّة ، ولا يستطيع الإبن أن ينسى مواقفه معه منذ أن كان صغيراً حتّى كبر، ولكن أيضا إذا فقد الأب الشعور بالأبوة ، وسيطرت عليه النوازع الشخصية ، وأصبحت الأسرة والأبناء هم أخر إهتماماته الشخصية .. هنا يكون فد حفر بئرا ماؤه العلقم ، ليشرب منه الأسرة والأبناء ، وحتى الوطن الأسرة الكبيرة .
بقى عندى نوع آخر من الأسر ، وهو فى نظرى من أخطر التركيبات والتكوينات ، لأن الإنسان يعتبر هذه الأسرة هى نتاج لأوامر وإرادة الله ، وأقصد الإنتماء الدينى وهذا يظهر جليا جدا فى كلمات المسيحى عندما يقول : " فلان أخى فى المسيح " ، وعند المسلم يقول : " أخى فى الإيمان " وانصر أخاك ظالما كان أو مظلوما .. وهذه الأسرة لها أيضا آباء وأولياء أمور ، فللمسيحى يتمثل ذلك فى الكاهن والرتب التى تعلوه حتى البابا ، وللمسلم من الشيخ وحتى الإمام ثم الإمام الأكبر .. وتجتمع هذه الأسر فى بيوت يسموها بيوت الله كالكنيسة والجامع والمعبد .. وعندما أقول أن هذه الأسرة فى نظرى هى أخطر الأسر ، أنا أعنى هذا ، لأنه فى الحقيقة ، أن هؤلاء الطغمة من الآباء ، هم الذين يزرعون فى نفوس البشر البهاء الإلهى ، ويضيئون فى قلبه نور الله ، المتمثل فى كتبه المقدسة .. وهنا تتفاوت للأسف التعاليم ، فمن يقول أحب حتى أعداءك ، ومن يقول اقتل الآخر ، وكلاهما له منبره ، ومن الصعب أن يَعرِج أى منهم إلى طريق الآخر ، فالذى يأمر بالقتل لا يستطيع أن يتكلم عن المحبة ، إلا بالغش والخداع والمراوغة لغرض ما ، ومن قال أحب حتى عدوك ، لن يستطيع أن يأمر بالقتل ، لأن المحبة التى تسكن قلبه تثنيه عن ذلك . ولكن ومرة أخرى أقولها ، وماذا لو ضل رجل المحبة هذا الطريق .. سأقول بكل صراحة سيكون أخطر وأكثر ضررا مما يضع القتل هدفا لتعاليمه .. وللأسف نحن نحيا هذه الأيام هذا النمط المخزى المضل الكاذب فى أسرتنا التى تحمل مشعل  احبوا أعداءكم  وباركو لاعنيكم .. ولكن أحب أن أقول : سيموت هذا الأب دون أن يترك ذكرى تصلح للدخول في كتب التاريخ ، حتى ولو كان خطيبا  بارعا ، ويحمل عددا من الوجوه الزائفة ، فقد قَدَمَتْ له الظروف  بابا واسعا للخلود ، ولكنه لم يُحرٍك أبدا مرتكزات أمانته الإنسانية من مكانها ، و لم يحاول استخدام ما أعطاه الله من نِعَم  ، لهذا أقول لهذا  الأب الفاسد : لقد ضحكت الأيام في وجهك ، وسيأتى اليوم ستضحك عليك ، لقد يسّرت لك يومياتك ونفحات الشيطان التى بداخلك  أعمالك ، لدرجة فقدان الوزن ، حتى أصبحت أخف من ريشة عابرة في هواء فاسد ، تحولت إلى بالون بإمكان اللاعبين الركل بك في كل الاتجاهات ، لم تنتبه ولم تندم على فرصة التاريخ ، التي لا تأتي إلا صدفة ، وتغادر بسرعة البرق أو أسرع ، لا تنسى  أن التاريخ له مكره ولعناته ، لعنة التاريخ أصعب من آلام السجون ، لذلك أرى أن هذا النوع من الأسر هو أخطر الأنواع جميعا ، لأن الأب فيها إما أن ينثر كلمات الله القدوس بين البشر ، وإما أن يلقى بها فى الوحل وبحور الدماء . كل عام وأسرة أبانا الذى فى السموات بخير .

                                                              سمير حبشــــــــــــــــــى

إرسل الموضوع لأصدقائك على الفيس بوك و تويتر


تصفح أيضاً من أرشيف المقالات

خِدْمَةُ الْمُحْتَاجِينَ
تنظيم «الإخوان».. وإدمان الفشل
سبت قيامة الأرواح
رسالة من العراق
قناة السويس محطات بتاريخ مصر (1-7)

شاهد أيضاً من أرشيف الفيديو

حوار حول أزمة نقابة الصحفيين مع الداخلية
شاهين ل "وجدي غنيم" خلصت الفته في قطر وطردوك .. اذن استعد للمسقعة
إحياء ذكري شهداء الأيمان في ليبيا
بلاغ ضد والد أبو تريكة لعدم قبول مسيحيين في مركز التدريب
الإعلام الغربي السافل والمنافق والذي يكيل بمكيالين

قائمة العار للدول التي تضطهد الأقليات- أغلبها دول اسلامية وبعضها يدعم الارهاب

كوريا الشمالية
السعودية
العراق
ارتريا
افغانستان
باكستان
الصومال
السودان
إيران
ليبيا
اليمن
شمال ووسط نيجيريا
اوزباكستان
قطر
مصر
الأراضي الفلسطينية
بروناي
ماليزيا
أزربيجان
بنجلاديش
الجزائر
الكويت
اندونيسيا
تركيا
البحرين
عمان