الأخبار القبطية - بالكلمة ننتصر

ما الهزيمة؟

فاطمة ناعوت - 25 أبريل 2016 - 17 برمودة 1732

ما الهزيمةُ؟ ليست الهزيمةُ أن يقصّوا ريشَنا، فلا نقوَى على الطيران. الهزيمةُ أن يقصّوا أرواحَنا فلا نقوَى على الحب. إن نجح خصومُنا في أن يجعلونا نبغض ونكره ونحذر ونلبس أقنعة الرياء والزيف مثلما يفعلون؛ فهم دون شك قد انتصروا، وإنّا دون أدنى شكّ لمنهزمون. الهزيمةُ تحلُّ بنا إن نجح خصومُنا في أن يقتلوا براءتنا أو أن يُفقدونا نقاءنا أو أن يدنّسوا أفكارنا بالعنصرية والطائفية والبغضاء ومحبة الظلم. إن فعلوا بنا هذا، فقد انتصروا وهُزمنا. إن نجحوا حتى في أن يحرّضونا على كراهيتهم، هم خصومنا، فقد انتصروا علينا. لأننا آنذاك سنكون قد أصبحنا ردّة فعل لبغضهم لنا. يكرهني فلانٌ فأكرهه في المقابل، ما الفارق بيننا؟ كلانا شريرٌ، كلانا آثم.

ليس السجنُ هو القضبانُ التي يُشيّدونها حول أجسادِنا، فيُقيّدون حريّتنا، ويُحدِّدون أقامتَنا جبريًّا. هذا أضعفُ ألوان السجن. السجن الحقيقي هو خيوط البلادة واللامبالاة التي ينسجون بها شرانقَ باردة حول قلوبِنا، فتفقد قلوبُنا الدفء والمقدرة على الخفق، وعلى المحبة. إن دخلنا السجنَ أنقياءَ القلب، وخرجنا منه بعد عشرين عامًا أنقياءَ القلب كما دخلنا، فكأنما لم نُسجَن ساعةً واحدة. وإن نجونا من السجن ولم نطأه بأقدامنا، لأننا فقدنا نقاءنا، فكأنما عمّرنا في السجن أعمارًا وسنواتٍ وحِقبًا، وسوف نؤبّد فيه إلى أبد الدهر.

إن قصّوا ريشَنا، أو سجنوا أجسادَنا، أو دفعونا للبكاء والوجع، فربما يُكبّرون ويهلّلون إذ يشعرون بانتصارهم علينا، لكن، في المقابل، لن نشعر نحن بانهزام إلا حين ننهزمُ أمام أنفسنا ونتضاءل. ربما نبتسم في وجوههم ونبارك لهم ونشرب نخب ما يظنّونه انتصارًا لهم، لكننا لا نستطيع أن نقدم لهم وعدًا بأن نُصدّق لهم على صكّ هزيمتنا، مادام في أدمغتنا عقلٌ يفكر، وفي صدورنا قلبٌ ينبض ويحبّ.

حتى إن قصفوا أقلامَنا، لن يغنموا انهزامنا. لأن القلم يوثّق، وفقط، ما يجول في الرأس من أفكار. فإن قُصف القلم، غاب التوثيق، ولم تغبِ الفكرةُ. فللأفكار أجنجةٌ كما تعلمون، من العسير قصقصة ريشها، كما قصقصوا ريش أجسادِنا.

في كل معركة، هناك منتصرٌ، وهناك خاسرٌ. في الحروب وفي الغزوات وفي الغارات. ثمة جائرٌ وثمة مُجارٌ عليه. ثمة قاتلٌ وثمة مقتول. ثمة مستعمِر، وثمة مستعمَر. ثمة موجب وثمة سالب. لكن الأمر مختلف في معارك الأفكار وفي معارك القلوب والمشاعر. فهناك منتصران، لا منتصرٌ واحد. وهناك مهزومان، لا منهزمٌ واحد.

حين يفترقٌ طيبٌ وشريرٌ وتتشعّب بهما السبل. كلاهما منتصرٌ ولا منهزم هناك. الطيبُ ينجو بنفسه من الدنس، والشرير يهرب نحو ضحية جديدة غافلة.

الذي أفتى بقتل فرج فودة، شعر أنه انتصر حين أوحى لرجل أُميٍّ بقتله. فقتل العاملُ الأميُّ "جسدَ" فرج فودة. وهذا حق. انتصر الرجلان على فرج فودة وأرقداه رقدته الأبدية. لكن في المقابل، انتصر فرج فودة على قاتليه بأن عاشت أفكاره أكثر مما عاش، وسيعيش آلافٌ من قاتليه. فرج فودة، منهزمٌ أم منتصر؟ الإجابة تعرفها كتب التاريخ.

والذين صلبوا وشنقوا ومزّقوا وقطّعوا أطراف الحلاج والسهروردي وأضرابهما، والذين أحرقوا كتب ابن رشد وابن المقفع وأضرابهما، لا شك قرعوا كؤوس الانتصار وهلّلوا تهليلات الفرح بالفوز المبين، لكن، هل ترون أن مَن هُزموا قد هُزموا؟ لم يُهزموا. ليس فقط لأن التاريخ ذكرهم وأغفل قاتليهم ومعذبيهم، بل لم يُهزموا لأنهم في الأساس لم تتبدّل أرواحهم ولم يخافوا ولم يُداهنوا شانقيهم لحظة الشنق.

تصوّروا لو أن التاريخ قد ذكر لنا أن الحلاج قد خاف لحظة الشنق وغيّرَ أفكاره الصوفية الطوباوية واستبدل بها أفكارًا جامدة لا حب فيها ولا ذوبان في عشق الله، بل خوف من جحيم وطمع في نعيم؟ هنا كان بوسعنا ان نُقرّ له بالهزيمة والخذلان. تصوروا لو أن فرج فودة قد خُيّر بين النجاة من القتل على أن يُقرّ لخصومه بما ألصقوه بالله من عنف ودموية، عكس ما كان يرى، وبين أن يثبت على أفكاره ويُقتل كما قُتل ويُحرم منه أطفالُه الصغار آنذاك؟ هل تتصورون أنه كان يقبل؟ لهذا انتصر فرج فوده، رغم انتصار قاتليه. لكن الفارق بين الانتصارين يشبه الفارق بين انتصار المرض على جسد فيقتله، وانتصار عالِم على مرض بابتكار دواء يهزم المرض. إنها نسبية الانتصار، ونسبية الهزيمة.
مادامت أرواحُنا بريئة من البغض والسواد، فنحن منتصرون، سواءً دخلنا السجن أو قُتلنا أو نُفينا عن أوطاننا. الهزيمة تضربنا حين نتبدّل ونفقد براءتنا ونقاءنا، حتى وإن شيّدوا لنا القصور المنيفة ونثروا الألماس تحت أقدامنا.

هزيمةُ الشخص الطيب ليست في أن نسجنه أو أن نقتله أو نسبّه أو نسخر منه أمام الناس، إنما هزيمتُه الوحيدة هي أن نجعله شريرًا. اللهم لا تسمح بأن نخسر معركتنا ونُهزم الهزيمةَ التي لا نجاة منها.

المصدر: الحوار المتمدن

إرسل الموضوع لأصدقائك على الفيس بوك و تويتر


تصفح أيضاً من أرشيف المقالات

تعظيم سلام للقائد, و لكن...
دير العذراء بجبل الطير بسمالوط يحتفل
علي راسي ريشه.....
اسطورة قرآن مكة وقرآن المدينة؟
تراب.....

شاهد أيضاً من أرشيف الفيديو

زيارة ملك بني سعود إلى مصر
حكومة الببلاوي .. وأزمة طاهر أبو زيد مع مجلس إدارة النادي الأهلي
رد فعل جماعة الإخوان الإرهابية تجاه أكتشاف غاز الشروق
لقاء مع المهندس نجيب ساويرس على هامش القمة الاقتصادية بشرم الشيخ
جلسة أستماع بالكونجرس عن معاناة الأقليات في العراق!

قائمة العار للدول التي تضطهد الأقليات- أغلبها دول اسلامية وبعضها يدعم الارهاب

كوريا الشمالية
السعودية
العراق
ارتريا
افغانستان
باكستان
الصومال
السودان
إيران
ليبيا
اليمن
شمال ووسط نيجيريا
اوزباكستان
قطر
مصر
الأراضي الفلسطينية
بروناي
ماليزيا
أزربيجان
بنجلاديش
الجزائر
الكويت
اندونيسيا
تركيا
البحرين
عمان