الأخبار القبطية - بالكلمة ننتصر

سعيد العشماوى(1932-2013) على خطى كبار المصلحين

مجدى خليل - 22 ديسمبر 2013

لم يختلف مصير المفكر الكبير المستشار محمد سعيد العشماوى عن مصير كافة المصلحين فى التاريخ الإسلامى فرحل فى هدوء وصمت يوم الثلاثاء الموافق 5 نوفمبر 2013 بعد أن عانى لمدة تزيد عن ربع قرن من العزلة والأكتئاب حتى أنه يمكن أن نوصفه ،مثل ابو العلاء المعرى، برهين المحبسين، وهما فى حالتنا محبس الدار ومحبس الأكتئاب،فمنذ عام 1980 وهو يخضع لحراسة أمنية نظرا للتهديدات المستمرة التى تعرض لها من كل فصائل التيار الإسلامى بكافة اجنحته،حتى أن الشيخ الراحل محمد الغزالى  قد اتهمه فى تسعينات القرن الماضى فى عموده الذى كان ينشره تحت عنوان " هذا ديننا" فى صحيفة الشعب تحت رئاسة عادل حسين وقتها،قال الغزالى فى عموده أن المستشار محمد سعيد العشماوى يدعو إلى الزنا والشذوذ واللواط، وتابع قائلا هل يحتاج مثل هذا الشخص إلى فتوى لتكفيره؟،أى أن تكفيره واضح للعيان، وقد قرأت هذا الكلام بنفسى،  وقد أعاد محمد عمارة تكرار نفس الكلام بالحرف فى نفس الصحيفة فى عموده الذى كان ينشره تحت عنوان " هذا إسلامنا"،والغريب أننى بعد هجرتى لأمريكا عام 1995 قرأت نفس عمود الغزالى عن سعيد العشماوى معادا فى صحيفة إسلامية متطرفة كانت تصدر فى نيوجيرسى، ونحن نعرف دور الغزالى فى قتل فرج فودة وتبرئة قاتليه،ومن ثم كانت التهديدات جدية على حياة المستشار محمد سعيد العشماوى. ولا ترجع كراهية فصائل الإسلام السياسى لفرج فودة ولسعيد العشماوى وسيد القمنى ونصر ابو زيد لتعرية وكشف افكارهم الهدامة المخربة وتجارتهم بالدين  فقط ولكن أيضا لأنهم فشلوا فى مقارعتهم الحجة بالحجة.

سار سعيد العشماوى على خطى كبار المصلحين فى التاريخ الإسلامى الذين عزلوا واضطهدوا ونكل بهم وحوربت افكارهم وأراءهم الاصلاحية الجريئة،وكان سعيد العشماوى صاحب مدرسة خاصة وسط هذا المدارس الإصلاحية التى تم اجهاضها. فسبق سعيد العشماوى مدرسة إعمال العقل فى النصوص والتراث من المعتزلة إلى محمد أركون والعفيف الأخضر،وقد تم اجهاض هذه المدرسة على مر التاريخ والتنكيل بالمعتزلة وإضطهاد روادها ومريدوها حتى اليوم،وكانت هناك مدرسة التأويل من بن رشد إلى نصر حامد أبو زيد،ونحن نعرف ما اصاب كليهما من حرق كتب بن رشد إلى تفريق نصر حامد ابو زيد عن زوجته وهروبه إلى هولندا ثم  بعد شهور قليلة من رجوعه يموت فجأة بفيروس مريب بعد عودته من مؤتمر فى اندونيسيا،وكانت هناك مدرسة إصلاحية أخرى قادها الشيخ على عبد الرازق تدعو للفصل بين الدين والدولة وبين الروحى والسياسى،وكان مصيره الفصل من الأزهر ومصادرة كتابه،وكانت هناك مدرسة أخرى لعلى محمود طه فى السودان،والذى دعا إلى اعتبار القرآن المكى هو الذى يمثل نصوصا تصلح لكل زمان ومكان لما فيه من حرية وتسامح أما القرآن المدنى الممتلئ بآيات القتال والحرب فقد اعتبر طه أن نصوصه تاريخية تبقى ولكنها غير ملزمة للمسلم كما يفعل اليهود فى حروب الرب فى التوراة حاليا،وقد تم اعدامه على يد جعفر النميرى،وكانت مدرسة محمد سعيد العشماوى التى يمكن أن نطلق عليه " تاريخية النصوص" بدعوته لعدم نزع النص عن أسباب تنزيله مقدما خصوصية السبب على عمومية اللفظ،ومعروف ما حدث لسعيد العشماوى لتصديه لهذا التفسير العصرى المستنير للنصوص، ثم هناك المدرسة التى ترى قراءة الإسلام من منظور ثقافى ويتصدر هذه المدرسة الدكتور سيد القمنى الذى يشارك نصر حامد ابو زيد الرؤية فى أن القرآن منتج ثقافى تأثر بعصره،وهناك مدرسة أخرى تسمى مدرسة " القرآنيين" وترى هذه المدرسة أن الخروج من مأزق التكفير والحروب والقتال يستلزم تجاهل الحديث والأكتفاء بالقرآن وتفسير آياته بشكل عصرى يتفق مع الواقع،ورائد هذه المدرسة هو الدكتور أحمد صبحى منصور الذى هرب بجلده إلى أمريكا.

كان محقا سعيد العشماوى إذن عندما أوصى قريبه بعدم اقامة عزاء له لأنه لن يحضر إلا القليل لسرادق العزاء،وهو كان قد سمع بنفسه من الكثير من المثقفين الغربيين سؤال يتكرر لماذا يكرهك شعبك وناسك ويرفضون افكارك؟ وكانت الإجابة وهل احبوا مصلحا إسلاميا من قبل؟ ،وهل هناك مثقفا حقيقيا عبر التاريخ العربى والإسلامى اختلف مع الحاكم ولم يضطهد؟ ، ولو كان المصلحون يعاملون باحترام وتؤخذ أفكارهم مأخذ الجد ما كان الحال وصل بالدول الإسلامية إلى ظهور مدارس التكفير والقتل والإرهاب والترويع. ورغم ما حدث لسعيد العشماوى إلا أنه كان افضل حالا مما حدث لآقرانه من المصلحين والمثقفين من امثال المعتزلة وبن المقفع والحلاج والسهروردى والكندى والرازى وبن سينا حتى وصلنا إلى على محمود طه وفرج فودة ونجيب محفوظ ونصر حامد أبو زيد.

لقد انتصرت افكار ابو حامد الغزالى وبن تيمية وبن قيم الجوزية ورشيد رضا وحسن البنا وابو الاعلى المودودى  ومحمد بن عبد الوهاب وسيد قطب والخمينى على افكار بن رشد وطه حسين وعلى عبد الرازق ومحمد سعيد العشماوى ومحمد اركون والعفيف الاخضر ونصر ابو زيد وسيد القمنى وعلى محمود طه وغيرهم ممن افنوا حياتهم للبحث عن مخرج لمأزق الدول الإسلامية....... ورغم كل ذلك ستبقى أفكار العلامة محمد سعيد العشماوى كنقطة مضيئة فى تاريخ هذا الظلام والإظلام تبحث عن حاكم شجاع يضعها على الفنار لتكون نبراسا ومرشدا لهذه المجتمعات للخروج من مأزقها وأزمتها.

وداعا أيها المفكر الكبير.... وداعا أيها المصلح الشجاع.... وداعا أيها القاضى النزيه المحترم.... وداعا أيها المثقف الصارم المعتز بذاته وكرامته وفكره.... إلى عالم آخر خال من الأكتئاب والخوف والتهديد والوحدة وسيوف المتطرفين.....وداعا سعيد العشماوى.

إرسل الموضوع لأصدقائك على الفيس بوك و تويتر


تصفح أيضاً من أرشيف المقالات

مرسي يخاطب زوجتة...
بكاء رئيس
يا جبل ما يهزك ريح.....
مصر بعد حكم الإعدام علي مرسي وجماعته
مبادرة حسن نافعة: انقاذ الاخوان وتدمير مصر

شاهد أيضاً من أرشيف الفيديو

أمريكا ما بين دعم داعش ومحاربتها
ساويرس ينتقد البرادعي: ندمت إني كنت مقتنع به
الأنبا بولا: نتواصل بشكل دائم مع الخارجية للإفراج عن المختطفين في ليبيا
دور المخدرات في صنع السياسية من كابول الى عدن مرورا ببغداد وصولا الى امريكا!!
الرواية طبقاً لصاحبها .. يوسف الحسيني يوضح عما حدث له في مطار نيويورك

قائمة العار للدول التي تضطهد الأقليات- أغلبها دول اسلامية وبعضها يدعم الارهاب

كوريا الشمالية
السعودية
العراق
ارتريا
افغانستان
باكستان
الصومال
السودان
إيران
ليبيا
اليمن
شمال ووسط نيجيريا
اوزباكستان
قطر
مصر
الأراضي الفلسطينية
بروناي
ماليزيا
أزربيجان
بنجلاديش
الجزائر
الكويت
اندونيسيا
تركيا
البحرين
عمان