الأخبار القبطية - بالكلمة ننتصر

أيها الشعراء غنّوا وأُسجنوا!

فاطمة ناعوت - 7 مارس 2016 - 28 أمشير 1732

"إذا أردتَ ألا ينتقدكَ أحدٌ: لا تعملْ، لا تتكلمْ، وكنْ لا شيء.” لا شك أن برنارد شو كان يسخر كعادته حين قال العبارة السابقة. لكنّ ما قاله عينُ الجِّد، وقلبُ الصواب. دعنا نسميه: "مانيفستو الغياب". من يرِد "ألا" يكون موجودًا، فليصمتْ للأبد. فلا نراه، ولا نؤاخذه، ولا نسجنه. تذكرون قصة سقراط مع تلامذته؟ بعد الدرس، عاتب تلميذٌ أستاذَه: “لماذا لم توجّه لي كلمة واحدة اليوم أيها المعلّم؟!” فقال له الفيلسوف: “لكنني لم أرك. في المرة القادمة تكلمْ حتى أراك.” هذا" “مانيفستو الحضور".

وإذن، أيها الشعراء أمامكم نجدان: الحضور أو الغياب. الكلام أو الصمت. اختاروا ما تشاءون من كلا الدربين، واعلموا أن لكل درب فاتورة. فتشوا في جيوبكم النفسية لتتأكدوا أنكم تمتلكون ثمن اختياركم.

فاتورة الغياب يسيرة. فأنتم في مأمن من الخطر. سوف تعيشون في أمان تأكلون وتشربون وتتناسلون وتنامون ملء جفونكم عن شواردها. لكنكم غير موجودين. لو طرأت في بالكم فكرة، إياكم أن تتجاوز رؤوسكم. فإن وقفت على ألسنكم ابتعلوها فورًا وأطبقوا شفاهكم ولا تنطقوا. ولا تنسوا أنكم غائبون، والغائب لا يتكلم. ثمن بخس؛ لأنكم ستنعمون بحريتكم فلن تُسجنوا ولن تُكفّروا ولن تطاردكم اللعناتُ من حناجر الأشاوس الذين يزعمون أنهم ظلالُ الله على الأرض، ومستحيل أن تصيبكم رصاصة أو طعنة خنجر أو نفي إلى بلد غريب.
أما لو اخترتم الطريق الوعرة: “طريق الحضور"، فلا أضمن لكم شيئًا مما سبق من رغداء العيش و"البُلَهْنِيَة" وهي منتهى الرخاء، حسب معجم لسان العرب.

بعد الحكم بسجني ثلاث سنوات بسبب تغريدة أشفقتُ فيها على تعذيب الحيوان أثناء ذبحة على غير منهج الذبح الإسلامي الرحيم، قال "مفيد فوزي": “لو فاطمة ناعوت اتسجنت هاخاف، وأنا مش عاوز أخاف.” كان يقصد أنه سيخاف أن يفكر بحرية ويتكلم بحرية. فكم واحدًا من الكتاب والشعراء سيخافُ أيضًا؟

خذ عندك مثلا حيًّا. بالأمس قرأتُ في إحدى الصحف الخبر التالي: (مجلس الفكر الإسلامي في باكستان يرفض قانونًا جديدًا يُجرّم العنف ضد المرأة، واعتبروه خروجًا عن الإسلام. وقال محمد خان شيراني رئيس المجلس في مؤتمر صحفي: "إن هذا القانون يتعارض مع الدستور الباكستاني ويجعل الرجل يشعر بعدم الأمان."

قبل أن تتهوّر أيها القارئ الكريم وتغضب لأمك وأختك وزوجتك وزميلة عملك من هذا الرأي الغريب، تحسس جيبك وتأكد أولا أنك تمتلك ثمن اعتراضك، وإلا حجزنا لك الزنزانة المجاورة لزنزانتي. أنا شخصيًّا سأعترضُ مطمئنةً. ليس فقط لأن الشاة لن يضيرها سلخُها بعد ذبحها، باعتبار أن حكم سجني من المحتمل أن يتأكد في جلسة الاستئناف نهاية هذا الشهر، ولكن لأنني اخترتُ طريق "الحضور" رغم فاتورته الضخمة. أنا مؤمنة بالله وأحبّه، ولهذا أعتزُّ بهداياه لي. ومن ضمن تلك الهدايا عقلٌ يفكر. يصيبُ ويخطئ. ولسانٌ لا يهاب قول الحق مهما كان ثمن ذلك.

سألتني صحفية في معرض الكتاب: “بماذا تنصحين الشعراء بعد الحكم بسجنك؟" فقلتُ: “اكتبوا ما تشاءون وادخلوا السجن مطمئنين. تجبنوا أمورًا ثلاثة جرّمها دستورُ بلادكم الجديد: “التحريض على العنف، إشاعة العنصرية، الخوض في الأعراض"، ودون ذلك اكتبوا ما تشاءون لأن الدستور يحميكم. أما قانون ازدراء الأديان المضحك، فمآله إلى زوال لأنه مخالف للدستور وللمنطق وللثورة، ومخالف أيضًا لمشيئة الله الذي منحنا الحرية والإرادة. ومع هذا، لا أضمن لكم ألا تُسجنوا، إن طرحتم أفكاركم. أيها الشعراء: غنّوا، لأنني سأغني. سأُغني رغمَ النِّصالِ تتحلّقُ حولَ جسدِي من كلِّ صوب، مثل ذِبحٍ لا يقدرُ أن يقولَ: أحسِنوا الذَّبحَ يا جماعةَ الخير. فأنتم تجعلونَ السماءَ تبكي!

المصدر: الحوار المتمدن

إرسل الموضوع لأصدقائك على الفيس بوك و تويتر


تصفح أيضاً من أرشيف المقالات

حكاية حنّا وعبدالسلام
المسيح و السامرية يو 4
نصلي من أجل السودان
.....سوق.....
مذبحة الشيعة وخطاب مرسي والطريق الي المجهول

شاهد أيضاً من أرشيف الفيديو

تركيا.. تحركات دبلوماسية وتحديات أمنية
الإخوان الارهابية ودولة تركيا الارهابية يسيطران على البرلمان الألماني
أثر سياسات الدولة على المواطن .. الدولة والسلفية
"يوسف الحسيني" لـ"الرئيس": أنت وقعت في خطأ فادح اليوم
بعض الموظفين بالمطارات المصرية يتلقون الرشاوي

قائمة العار للدول التي تضطهد الأقليات- أغلبها دول اسلامية وبعضها يدعم الارهاب

كوريا الشمالية
السعودية
العراق
ارتريا
افغانستان
باكستان
الصومال
السودان
إيران
ليبيا
اليمن
شمال ووسط نيجيريا
اوزباكستان
قطر
مصر
الأراضي الفلسطينية
بروناي
ماليزيا
أزربيجان
بنجلاديش
الجزائر
الكويت
اندونيسيا
تركيا
البحرين
عمان