الأخبار القبطية - بالكلمة ننتصر

وداعا بطرس بطرس غالى

مجدى خليل - 18 فبراير 2016 - 10 أمشير 173

بطرس بطرس غالى(14 نوفمبر 1922-16 فبراير 2016)
الدبلوماسى الأول فى القرن العشرين وداعا

فى هدوء وسلام رحل عن عالمنا أستاذ أساتذتى العظيم الفذ الأستاذ الدكتور بطرس بطرس غالى. كان الدكتور بطرس غالى وبحق شخص عظيم ونبيل ومتواضع رغم أنه عملاق وعلامة بارزة فى تاريخ الدبلوماسية المصرية والعالمية، بل واتجرأ واقول أنه أكثر من تولى الأمم المتحدة علما وثقافة وفكرا وتأليفا وخبرة ثرية ومتنوعة.

لقد خدمنى الحظ بالتعرف على ثلاثة أقباط عمالقة وهم د. بطرس غالى، ود. رشدى سعيد، وقداسة البابا شنودة الثالث، وبقدر ما قابلت من شخصيات لم أتقابل مع من يضارعهم فى ذكاءهم الحاد وعقلهم الواعى وهم فى هذه السن المتقدمة، وعقب كل مقابلة كنت أعود منبهرا بوجود شخصيات فى هذا السن بهذا الذكاء الحاد والحيوية العقلية المدهشة، يفوق ذلك فى بطرس غالى ورشدى سعيد الحماس منقطع النظير فى طريقة الكلام وحيويته حتى لتشعر أنك أمام شخص فى العشرين من العمر.

بطرس غالى الدبلوماسى المصرى الأول والأهم فى القرن العشرين،جمع بين الدراسة الأكاديمية الرفيعة والأنتاج العلمى الغزير مع الخبرة السياسية النادرة التى خلقت منه رجل دولة من الطراز النادر. محطته الأولى كانت كمؤسس لكلية الأقتصاد والعلوم السياسية، وكأشهر أستاذ بها، ولكنه لم يحصل على حقه فى تولى عمادة الكلية لأنه قبطى..إلى المحطة الثانية فى تأسيس الأهرام الأقتصادى ومجلة السياسة الدولية ومركز الأهرام للدراسات السياسية والأستراتيجية ولكنه لم يفلت من غيرة هيكل ووصفه بأنه الرجل غير المناسب للأمم المتحدة، إلى المحطة الثالثة والهامة وهى مصاحبته لرحلة مفاوضات السلام مع السادات وكان بحق مهندس هذه الأتفاقية الرائعة التى أعادت لمصر حقوقها وأوقفت شلالات الدم المصرى ولكنه لم ينجو من حملات الهجوم القاسية عليه من العرب ومعارضى الأتفاقية فى مصر لهندسته للأتفاقية، إلى المحطة الخامسة كوزير دولة للشئون الخارجية والمجدد الأول للوزرارة لكى تواكب العصر ولكنه لم يحصل على حقه فى تولى وزارة الخارجية لأنه قبطى واحضروا ضابط جيش ليتولى الوزارة وهو كمال حسن على ومن بعده عمرو موسى، وكان كمال حسن على يشعر بالخجل أنه يرأس هذا العملاق الدولى. إلى المحطة السادسة والهامة وهى فترة الأمم المتحدة وكما ذكر فى كتابه ( خمس سنوات فى بيت من زجاج) كان مبارك غير متحمس لترشيحه، والذى جاء من دول أفريقية، ولم يسانده فى حملته للفوز، وعندما أختلف مع أمريكا فى معركته وقفت فرنسا معه وليس مصر، رغم أنه وكأمين عام زرع الكثير من المصريين فى مناصب هامة فى الأمم المتحدة فى عهده ومنهم أحمد فوزى الناطق بأسم المنظمة وحازم الببلاوى وميرفت التلاوى وغيرهم الكثيرين، وطبعا لم ينجو من الهجوم الكاسح عليه فى الصحافة المصرية والعربية أثناء توليه الأمم المتحدة، ولما سأله مفيد فوزى فى حوار مهم له أثناء توليه منصب الأمين العام للأمم المتحدة عن سبب الهجوم عليه أجاب بوضوح لا يوجد سبب سوى أننى قبطى.

وظلم كثيرا فى الأمم المتحدة لأنه تصور أن المنظمة بعد نهاية الحرب الباردة ستكون خالية من الصراعات، فوضع خطة للسلام وخطة للتنمية وخطة للدبلوماسية الوقائية وخطة للإصلاح، ولكن سيطرة أمريكا عليها اطاحت بأحلامه فى تطوير دور المنظمة.
إلى المحطة السابعة وهو توليه رئاسة منظمة الفرانكفونية، ورغم تخلى مصر عنه فى معركته فى الأمم المتحدة،إلا أنه نجح فى إدخال مصر كعضو فى هذه المنظمة الهامة.

وبعد ذلك نأتى إلى المحطة الثامنة وهو تأسيس مجلس حقوق الإنسان المصرى ورئاسته له حتى عام 2011 بناء على طلب مبارك الذى كان محتاجا إلى من يجمل نظامه فلم يرفض ذلك بطرس غالى فى محاولة منه لمأسسة حقوق الإنسان بمصر، ولكنه لم ينجو يوما واحدا من الهجوم عليه.

حتى تاريخيا وحاضرا لم يرحموا عائلته المرموقة من الهجوم، وشمت الشعبيون فى إغتيال جده وفى أبن اخيه يوسف بطرس غالى، رغم أن جده العظيم كان وطنيا فذا وقدم لمصر ما لم يقدمه شخصا آخر، وأبن أخيه هو أقتصادى عالمى مرموق قدم الكثير لمصر وأعاد إحياء وتجديد مصلحة الضرائب المصرية بعد عقود طويلة من تأسيسها على يد حبيب باشا المصرى، وقد ظلمه الغوغائيون كثيرا بعد ثورة يناير 2011. وجب التنويه أيضا أن تعيين جده فى رئاسة وزراء مصر وأيضا تعيين يوسف وهبى باشا فى نفس المنصب تم فى عهد الأنجليز، ولم يحدث أن تبوأ مصرى قبطى هذا المنصب طوال عهد الدولة الإسلامية من عمرو بن العاص وحتى السيسى.

بصماته فى أفريقيا لا ينكرها إلا فاقدى البصر والبصيرة، رؤيته للصراع على المياه سمعتها منه فى محاضرة بكلية الأقتصاد والعلوم السياسية عام 1986، دوره فى أدخال مصر فى الأشتراكية الدولية، وفى فك عزلة مصر بعد كامب ديفيد، وفى بناء ما يسمى بالدبلوماسية الواقعية، وفى الأرتقاء بدراسة القانون الدولى بمصر، وفى توظيفه لعلاقاته الدولية الواسعة لخدمة مصر، وفى بناء الدبلوماسى النشط الفاعل البعيد عن الجعجعة والأيدولوجيات المتحجرة، تواضعه مع تلاميذه وبث روح الثقة فيهم ، روحه المصرية وخفة ظله وأفتخاره بمصريته وبقبطيته.....الكثير والكثير مما لا  يتسع المجال لذكره.

ذكرياتى معه كثيرة، فى عام 2004 حاورته لمدة ساعتين فى حلقتين لقناة الحرة الأمريكية فى مكتبه برئاسة الفرانكفونية فى باريس حيث قابلنى بترحاب وود. فى يناير 2008 قضيت معه جلسة مطولة مع الأستاذ نسيم مجلى ونحن نراجع كتاب نسيم مجلى عنه، والذى صدر لاحقا عن دار الشروق، ولا أنسى وقتها من تنبيهنا إلى أن هناك حربا شرسة بدأت بين الاخوان والدولة المصرية وعلينا أن نساند الدولة فى
هذه الحرب، وهو ما أكدناه له بالطبع، وتحققت نبؤءته عام 2011 كما تحققت نبؤات كثيرة له.

فى نوفمبر 2013 عقدنا مؤتمرا لمسيحى الشرق الأوسط فى البرلمان الأوروبى وطلبت منه كلمة لتلقى فى البرلمان الأوروبى، فقال لى بتواضع شديد اكتبها انت هذه الكلمة  وانا ساراجعها، وهو ما فعلت فعدل كلمة واحدة قائلا البركة فيكم انتم الجيل الذى سنعتمد عليه. فى مارس  2013 ارسل مشكورا كلمة لمؤتمر منتدى الشرق الأوسط للحريات " أوضاع الأقليات تحت حكم الاخوان" قرأها فى أفتتاح المؤتمر د. أسامة الغزالى حرب. وطلب منى عقد مؤتمر دولى لمسيحى الشرق الأوسط فى قبرص حتى يتسنى له الحضور شخصيا ودعوة الأمين العام للأمم المتحدة ولم تسمح الظروف بعقده. كل مرة أتصل به كان يقدم  لى نصائحه الغالية ويناقشنى بتواضع وندية وهو العلامة والخبير الدولى وأستاذ أساتذتى.، ولكنى كنت أتعامل معه بإجلال كبير واعرف قدره جيدا.

وداعا أستاذى العظيم
مفخرة مصر كلها وسليل عائلة المجد والفخار، وأستاذ أساتذة القانون الدولى والعلوم السياسية، والدبلوماسى الأول فى مصر فى القرن العشرين، وأحد العلامات المضيئة فى تاريخ مصرالحديث ... أستاذى العزيز الغالى وداعا إلى أن نلتقى... وسلاما لروحك المتواضعة العظيمة فى دنيا الخلود.

إرسل الموضوع لأصدقائك على الفيس بوك و تويتر


تصفح أيضاً من أرشيف المقالات

ايزابل الشريرة وآن باترسون السفيرة
السيسى وكتاب كفاحى لعمر بن الخطاب --هل يمكن ان تنهض مصر؟؟؟
حانت الآن .. ساعة الصفر لدحر الإرهاب
كنت مريضا.....فزرتموني
العدس...ابو جبة

شاهد أيضاً من أرشيف الفيديو

حول الأحدث: حادث طابا الإرهابي مع .. نبيل نعيم
ساويرس: خطابات رسمية لليونان وإيطاليا لشراء جزيرة للاجئين السوريين
قداسة البابا يتصل هاتفيا بسيدة المنيا سعاد ثابت
صحفي أردني يتحدث عن مخطط غربي لتقسيم مصر والسعودية
القرضاوى وقناة الجزيرة اخدوا الضوء الاخضر من تميم للهجوم على مصر

قائمة العار للدول التي تضطهد الأقليات- أغلبها دول اسلامية وبعضها يدعم الارهاب

كوريا الشمالية
السعودية
العراق
ارتريا
افغانستان
باكستان
الصومال
السودان
إيران
ليبيا
اليمن
شمال ووسط نيجيريا
اوزباكستان
قطر
مصر
الأراضي الفلسطينية
بروناي
ماليزيا
أزربيجان
بنجلاديش
الجزائر
الكويت
اندونيسيا
تركيا
البحرين
عمان